رحمته ، لا تقتد بسفيان في كثرة الأكل واقتد به في كثرة عبادته فلست سفيان ، لا تشبع نفسك كما كان يشبعها فلست تملكها كما كان هو يملك نفسه .
اجتهد في هجر الحرام والتقلل من الحلال ، ازهد في الكل عند قوّة إيمانك وإيقانك فتصير من عباد اللّه عزّ وجلّ ، إذا تحقق زهدك أعطاك وأنعم عليك ، إما بواسطة أو يجعل التكوين في يد قلبك .
لا كلام حتى تصير من عباد اللّه عزّ وجلّ ، لا من عباد الخلق والأسباب ، لا من عبيد الدنيا والحظوظ والشهوات والشياطين ، لا من عبيد حبّ الجاه عند الخلق والتقييد بإقبالهم وإدبارهم وحمدهم وذمهم ، هذا شيء لا يصلح .
ما يمشي قلبك إلى باب الحق عزّ وجلّ خطوة واحدة وأنت مع نفسك في بيت طبعك وهواك ، إني أراك أبد الدهر مقيدا بالخلق والأسباب ، هذا إلى متى ؟ تعلم مني الخلاص من قيودهم .
يا جاهلا كيف يرى قلبك الحق عزّ وجلّ وهو ملآن بالخلق ، كيف ترى باب الجامع وأنت قاعد في بيتك ؟ إذا خرجت من دارك ، وأهلك وولدك رأيت باب الجامع ، لما استخلفت الكلّ وراء ظهرك رأيت هكذا ، ما دمت مع الخلق لا ترى الخالق ، ما دمت مع الدنيا لا ترى الآخرة ، ما دمت مع الآخرة لا ترى ربّ الدنيا والآخرة ، إذا خرجت عن الكلّ لقي سرّك ربك عزّ وجلّ ، لا من حيث الصورة ، بل من حيث المعنى ، العمل للقلوب والمعاني للأسرار ، القوم أعرضوا عن أعمالهم نسوا جميع حسناتهم ولم يطلبوا العوض عليها ، فلا جرم أحلهم دار المقامة من فضله ، لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب ، ولا انقطاع ولا ضعف ، ليس فيها كسب ولا مؤنة .
قال بعض المفسرين في قوله تعالى :
لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ
« 1 » .
يعني همّ الخبز وتحصيله ومؤنة العيال ، الجنة فضل كلي ، خير كلي ، راحة كلية ، عطاء بلا حساب ، كل الدائرة على حضور قلبك للّه لا لعلة في الدنيا ولا في الآخرة ولا لخلقه ، حضور قلبك للّه عزّ وجلّ لا يصح إلا بعد الموت والتحقيق لذكره ، إن نظرت
هامش
( 1 ) سورة فاطر آية : 35 .