تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وكانت الملائكة تصلي عليه وتزوره ، وانقطع عن الإنس واتصل به الأنس ، انقطعت عنه الأسباب والحول والقوى ، وبقي أسير محبته وقدره وإرادته وسابقته ، كان أمره صبرا ثم صار في الانتهاء عيانا ، كان الأول مرا وصار الثاني حلوا ، طاب العيش في بلائه كما عيش إبراهيم عليه السلام في ناره . القوم يتعوّدون الصبر على البلاء ولا ينزعجون مثل انزعاجكم ، البلايا تختلف : منها في البنية ، ومنها في القلب ، ومنها مع الخلق ، ومنها مع الخالق ، لا خير فيمن لم يؤذ . البلايا خطاطيف الحق عزّ وجلّ . نهمة العابد الزاهد في الدنيا الكرامات ، وفي الآخرة الجنات ، ونمهة العارف بقاء الإيمان عليه في الدنيا ، والخلاص مع نار اللّه عزّ وجلّ في الآخرة . لا يزال نهمته وشهوته في هذا حتى يقال لقلبه ما هذا ؟ اسكن وأثبت ، الإيمان ثابت عندك ، ومنك يقتبس المؤمنون نورا لإيمانهم ، وأنت غدا مشفع مقبول القول ، تكون سببا لخلاص خلق كثير من النار ، تكون بين يدي نبيك الذي هو سيد الشافعين ، اشتغل بغير هذا . هذا توقيع ببقاء الإيمان والمعرفة والسلامة في العاقبة والمشي مع النبيين والمرسلين والصدّيقين الذين هم الخوّاص من الخلق ، فكلما كرّر عليه الأمن ازداد خوفا وحسن أدب وزيادة من الشكر ، القوم عقلوا معنى قوله عزّ وجلّ :
يَفْعَلُ ما يُرِيدُ
« 1 » وقوله :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 2 » . وقوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 )
« 3 » . عقلوا أنه فعال لما يريد لا لما يريد الخلق ، وأنه كل يوم هو في شأن ، يقدّم ويؤخر ويرفع ويضع ويعزّ ويذل ، ويعزل ويولي ويميت ويحيي ويغني ويفقر ويعطي ويمنع ، لا قرار لقلوب القوم مع اللّه عزّ وجلّ ، يغريهم ويبدلهم ، يقرّبهم ويبعدهم ، يقيمهم ويقعدهم ، يعزّهم ويذلهم ، يعطيهم ويمنعهم ، الأحوال تغير على القوم وهم على قدم تحقيق العبودية وحسن الأدب والإطراق .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 253 . ( 2 ) سورة الأنبياء آية : 23 . ( 3 ) سورة التكوير آية : 29 .