وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
« 1 » .
قد تحققتم هذا وعلمتموه ، فلم تتركون عبادته وتتخبطون في الطريق إليه ؟ كل من لا يعبد اللّه عزّ وجلّ فهو من الذين لا يدرون لم خلقوا ؟ الذين هم على قدم التحقيق والحقيقة ، قد علموا أنهم خلقوا للعبادة وأنهم يموتون ثم يحيون فهم يحققون العبودية .
( يا غلام ) ثم أمور باطنه لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عزّ وجلّ والقيام على بابه ولقاء المفردين والنواب الوقوف هناك ، أما صرت إلى باب الحق عزّ وجلّ وأدمت الوقوف مع حسن الأدب والإطراق ؟ فتح الباب في وجه قلبك ، وجذبه من جذب ، وقربه من قرب ، ونوّمه من نوم ، وزفه من زف ، وكحله من كحل ، وحلاه من حلى ، وفرّحه من فرح ، وآمنه من آمن ، وحدّثه من حدث ، وكلمه من كلم . يا غافلين عن النعيم أين أنتم ؟ ما أبعد قلوبكم عن الأمر الذي أشير إليه ، تظنون أن الأمر سهل حتى يحصل لكم بالتصنع والتكلف والنفاق ، يحتاج هذا الأمر إلى الصدق والصبر على مطارق القدر ، إذا كنت غنيا معافى مشغولا بمعصية الحق عزّ وجلّ فتبت عن جميع المعاصي والزلات ما ظهر منها وما بطن وصرت في الصحاري والبراري وطلبت وجه اللّه عزّ وجلّ جاءك الاختبار ، جاءتك البلايا فتطلب نفسك ما كانت فيه من الدنيا والعافية ، فلا تقبل منها وتعطيها ذلك ، فإن صبرت حصل لك ملك الدنيا والآخرة ، وإن لم تصبر فاتها ذلك . يا تائب وأخلص وقرّر مع نفسك انقلاب الأمر ومجيء البلايا ، قرّر معها أن الحق عزّ وجلّ يسهر ليلها ويظمئ نهارها ويوقع بينها وبين الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف ، وأنه يوقع في قلوبهم المقت لها ، وأنه لا يقربها أحد منهم ولا يدنو منها .
أما سمعت قصة أيوب عليه السلام لما أراد اللّه عزّ وجلّ تحقيق محبته واصطفائه وأن لا يبقى لغيره فيه حظ ؟ كيف أفرده من ماله وأهله وولده وأتباعه ، وأقعده في كوخ على مزبلة خارجا عن العمران ، ولم يبق عنده من أهله سوى زوجته تخدم الناس وتأتيه بقوته ، ثم أذهب لحمه وجلده وقوّته وأبقى عليه سمعه وبصره وقلبه ؟ أرى عجائب قدرته فيه ، فكان يذكره بلسانه ويناجيه بقلبه ، ويرى عجائب قدرته ببصره وروحه تترّدد في جسده .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات آية : 56 .