وتصفير وجهك وترقيع مرقعتك وجمع أكنافك وتوكيلك ، كل ذلك من نفسك وشيطانك وشركك بالخلق وطلب الدنيا منهم .
وبعد كلام : أحقر نفسك واكتم أمرك ، وكن على ذلك إلى أن يقال لك تحدّث بنعمة ربك .
كان ابن شمعون رحمة اللّه عليه إذا جاءته الكرامة يقول : هذه خدعة ، هذه من الشيطان ، ودام على ذلك حتى قيل له : من أنت ومن أبوك ؟ تحدّث بنعمتنا عليك .
وقال موسى عليه السلام في مناجاته لربه عزّ وجلّ : يا ربّ أوصني ، فقال له :
أوصيك بي وبطلبي ، وكرر ذلك عليه أربع مرات ، في كل مرة يقول له ذلك ويجيبه مثل الأول . ما قال له اطلب الدنيا ولا اطلب الآخرة ، كأنه يقول له : أوصيك بطاعتي وترك معصيتي ، أوصيك بطلب قربي ، أوصيك بتوحيدي والعمل لي ، أوصيك بالإعراض عما سواي ، إذا صح القلب وعرف الحق عزّ وجلّ أنكر غيره واستأنس به واستوحش من غيره واستراح معه وتعب مع غيره .
اللهم اشهد لي أني مبالغ في مواعظ عبادك مجتهد في صلاحهم ، أنا ناحية عن جميع ما أنا فيه ، أنا خارج عنه كخروجكم عنه من حيث المعنى والسرّ ، لا كرامة لي أن أكون معه في شيء من تدبيره وتصاريفه .
يا أصحاب الصوامع والزوايا تعالوا ذوقوا من كلامي ولو حرفا واحدا ، اصحبوني يوما أو أسبوعا لعلكم تتعلمون شيئا ينفعكم ، ويحكم الأكثر منكم هوس في هوس ، تعبدون الخلق في صوامعكم ، هذا الأمر لا يجيء بمجرد القعود في الخلوات مع الجهل .
ويلك امش في طلب العلم والعلماء العمال حتى لا يبقى مشي ، امش حتى لا تطاوعك ساقاك ، فإذا عجزت فاقعد ، سر بظاهرك ثم بقلبك ومعناك ، إذا عييت ظاهرا وباطنا ووقفت جاءك القرب من اللّه عزّ وجلّ والوصول إليه ، إذا انقطعت خطوات قلبك وذهب قواك في السير إليه كان ذلك علامة قربك منه ، فحينئذ سلم واستطرح ، إما يبنى لك صومعة في البرية ، أو يقعدك في الخراب ، أو يردك إلى العمران ويوقف الدنيا والآخرة والجن والإنس والملك والأرواح في خدمتك ؟ إذا صح القرب لعبد أتته الولاية والنيابة وعرض عليه جميع ما في الخزائن وتشفع له الأرض والسماء ومن فيهما لمكانه من الملك ولصفاء باطنه وسرّه ونور قلبه ، لا يكون الإسلام والإيمان عندك عارية ، بهذا
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 268
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٦٨