يكثر خوفك وصومك وصلواتك وسهرك ، بهذا هام القوم على وجوههم والتحقوا بالوحش وزاحموهم في حشائش الأرض وماء الغدران ، وصار ظلامهم الشمس ومصباحهم القمر والكواكب ، دعوا أكثر الهذيان والقال والقيل وإضاعة المال .
لا كثروا من القعود مع الجيران والأصدقاء والمعارف لغير سبب فإن ذلك هوس ، أكثر ما يجري الكذب والغيبة بين اثنين ، والمعصية إنما تتم بين اثنين .
لا يخرج أحد منكم من بيته إلا إلى ما لا بد له منه من مصالحه ومصالح أهله ، اجتهد أن لا تبدأ بالكلام ، بل يكون كلامك جوابا ؛ إذا سألك سائل عن شيء فإن كان جوابه مصلحة لك وله ؛ وإلا فلا تجبه ، القوم يخافون ربهم عزّ وجلّ في جميع الأحوال :
يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
« 1 » .
يخافون أن يؤخذوا على غرة ، يخافون أن يكون الإيمان عندهم عارية . أحاد أفراد منهم يأتيهم من اللّه مننه ونعمه فتدخل قلوبهم في باب قربه ، يؤذن لهم بالدخول عليه ، يوليهم ويتولاهم ، يصيرهم من أوليائه وأبدال أنبيائه وأعيان خلقه ، يصيرهم من شيوخ عباده وسلاطينهم ، يستنيبهم في الأرض ، يستخلفهم فيها ويجعلهم من مفرّديه ، يعلمهم من علمه وينطقهم بحكمه ويكرمهم بكرامته ويمدهم بإمداده ، يعرفهم ما لهم وعليهم ، يرسخ قدم الإيمان في قلوبهم ، ويجعل تاج المعرفة على رأس إيمانهم .
القدر يخدمهم ، والإنس والجنّ والملائكة قيام بين أيديهم ، التواقيع تأتي قلوبهم وأسرارهم ، كل واحد منهم ملك في نفسه ، قاعد على سرير سدة مملكته ، ويبث جنده في الأرض لإصلاح الخلق مناقضة لفعل إبليس .
( يا قوم ) اتبعوا آثار القوم ، لا يكن همكم الأكل والشرب واللبس والنكاح وجمع الدنيا ، فالأنبياء عليهم السلام همهم العبادة وترك العادة ، اطلبوا بابه وخيموا هناك ، لا تهربوا من باب الحق عزّ وجلّ لأجل الآفات ، فإنه ينبهكم بالبلاء والآفات والأمراض والأوجاع لتطلبوه ولا تبرحوا بابه ، لا تكونوا من الذين يتخبطون ولا يدرون ما يريد الحق عزّ وجلّ منهم ، اعبدوه ثم أخلصوا في عبادته ، أما سمعتموه كيف قال :
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون آية : 60 .