المجلس الحادي والستون [ خواطر الإنسان ]
وقال رضي اللّه عنه في المدرسة في عشرين من شهر رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة بعد كلام :
سأله سائل عن الخواطر ، فقال : ما يدريك ما الخواطر ؟ خواطرك من الشيطان والطبع والهوى والدنيا ، همك ما أهمك ، خواطرك من جنس همك ، ما يعمل خاطر الحق عزّ وجلّ ، لا يجيء إلا قلب خال عما سواه كما قال :
مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ
« 1 » .
إذا كان اللّه عزّ وجلّ وذكره عندك ، فلا جرم يمتلئ قلبك من قربه وتهرب خواطر الشيطان والهوى والدنيا من عندك ، للدنيا خاطر وللآخرة خاطر ، للملك خاطر وللنفس خاطر ، وللقلب خاطر وللحق عزّ وجلّ خاطر .
فتحتاج أيها الصادق إلى دفع جميع الخواطر والسكون إلى خاطر الحق عزّ وجلّ ، إذا أعرضت عن خاطر النفس وخاطر الهوى وخاطر الشيطان وخاطر الدنيا جاءك خاطر الآخرة ثم جاءك خاطر الملك ثم خاطر الحق عزّ وجلّ أخيرا وهو الغاية .
إذا صح قلبك وقف عند الخاطر وقال له : أيّ خاطر أنت ومم أنت ؟ فيقول له : أنا خاطر كذا وكذا ، أنا خاطر حقّ من الحقّ ، أنا ناصح محبّ ، الحق عزّ وجلّ يحبك فأنا أحبك ، أنا السفير ، أنا حظك من حال النبوّة .
( يا غلام ) تعرّض لمعرفة اللّه عزّ وجلّ فإنها أصل كل خير ، إذا أكثرت من طاعته أعطاك معرفته ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( إذا أطاع العبد ربه عزّ وجلّ أعطاه معرفته ، فإذا ترك طاعته لم يسلبها منه ، بل يبقيها في قلبه ليحتج بها عليه يوم القيامة ، يقول له : ميزتك بمعرفتي ، وتفضلت عليك بها ، لم لم تعمل بما علمت ؟ ) .
( يا غلام ) ما يقع بيدك من الحق عزّ وجلّ شيء بنفاقك وفصاحتك وبلاغتك
هامش
( 1 ) سورة يوسف آية : 79 .