الصانع ، المؤمن الموقن العرف له عينان ظاهرتان وعينان باطنتان ، فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق اللّه عزّ وجلّ في الأرض ، ويرى بالعينين الباطنيتين ما خلق اللّه عزّ وجلّ في السماوات ، ثم يرفع الحجب عن قلبه فيراه بلا تشبيه ولا تكييف ، فيصير مقرّبا محبوبا .
والمحبوب لا يكتم عنه شيء ، إنما يرفع الحجب عن قلب تعرّى عن الخلق وعن النفس والطبع والهوى والشيطان ، ألقى مفاتيح كنوز الأرض من يده ، واستولى عنده الحجر والمدر . كن عاقلا ، تدبر ما أقول وتفهم ، فإني بلبّ الكلام أتكلم ، بجوهره بباطنه نصيحة معاينة .
( يا غلام ) لا تشك من الخالق إلى الخلق ، بل أشك إليه ، هو الذي يقدر ، وأما غيره فلا . من كنوز البرّ كتمان السرّ والمصائب والأمراض والصدقة ، تصدّق بيمينك ، واجتهد أن لا تعلم به شمالك ، احذر من بحر الدنيا فقد غرق فيه خلق كثير ما ينجو منه إلا آحاد الخلق ، هو بحر عميق يغرق الكل .
غير أن اللّه عزّ وجلّ ينجي منه من يشاء من عباده كما ينجي المؤمنين يوم القيامة من النار ، لأن الكل يعبرون عليها وينجي اللّه من يشاء من عباده ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
« 1 » .
يقول اللّه عزّ وجلّ للنار :
كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
« 2 » حتى يجوز عبادي المؤمنون بي المخلصون لي الراغبون في الزاهدون في غيري ، يقول لها ذلك كما قال لنار نمرود التي أوقدها حتى يحرق فيها عليه السلام . يقول اللّه عزّ وجلّ : يا بحر الدنيا ، يا ماء لا تغرق هذا العبد المراد المحبوب ، فينجو منه ويصير على السرّ كما نجى موسى عليه السلام وقومه من ذلك البحر . يؤتي فضله من يشاء .
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
« 3 » .
الخير كله بيده ، والعطاء والمنع بيده ، والغنى والفقر بيده ، والعزّ والذل بيده ، ما
هامش
( 1 ) سورة مريم : الآية 71 .
( 2 ) سورة الأنبياء : الآية 69 .
( 3 ) سورة البقرة : الآية 212 .