لأحد معه شيء . فالعاقل من يلزم بابه ، ويعرض عن باب غيره . يا مدبر أراك ترضى الخلق وتسخط الخالق ، تخرب آخرتك بعمارة دنياك ، عن قريب أنت مأخوذ ، يأخذك الذي أخذه أليم شديد ، أخذه ألوان كثيرة :
يأخذك بالعزل عن ولايتك ، يأخذك بالمرض والذل والفقر ، يأخذك بتسليط الشدائد والغموم والهموم ، يأخذك بتسليط ألسنة الخلق وأيديهم عليك ، كل مخلوقاته يسلطها عليك ، تنبه يا نائم . اللهم أيقظنا بك ولك آمين .
( يا غلام ) لا تكن في أخذك للدنيا كحطاب الليل ما يدري ما يقع بيده ، إني أراك في تصرّفاتك كحطاب ليل في ليلة ظلماء لا قمر فيها ولا ضوء معه ، وهو في رملة كثيرة الدغل والحشرات القاتلة .
فيوشك أن يقتله شيء منها ، عليك بالاحتطاب نهارا فإن ضوء الشمس يمنعك أن تأخذ ما يضرّك . كن في تصرفاتك مع شمس التوحيد والشرع والتقوى ، فإن هذه الشمس تمنعك عن الوقوع في شبكة الهوى والنفس والشيطان والشرك بالخلق ، وتمنعك عن العجلة في السير .
( ويحك ) لا تعجل ، فإن من استعجل أخطأ أو كاد ، ومن تأنى أصاب أو كاد : أي قارب أن يصيب ، العجلة من الشيطان ، والتؤدة من الرحمن . أكثر ما يحملك على العجلة الحرص على جمع الدنيا . اقنع فإن القناعة كنز لا ينفد ، كيف تطلب مالا يقسم لك ولا يقع بيدك قط ، امنع نفسك وارض به ، وازهد في غيره .
الزم حتى تصير عارفا باللّه عزّ وجلّ ، فحينئذ تصير غنيا عن كل شيء . يثق قلبك ويصفو سرّك ويعلمك ربك عزّ وجلّ ، فتهون الدنيا في رأسك ، والآخرة في عيني قلبك ، وما سوى الحق عزّ وجلّ في عيني سرك ، لا يتعاظم عندك شيء من الأشياء سوى الحق عزّ وجلّ ، فحينئذ تعظم عند كل الخلق .
( يا غلام ) إن أردت أن لا يبقى بين يديك باب مغلق فاتق اللّه عزّ وجلّ ، فإنها مفتاح لكل باب ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الطلاق : الآيتان 2 ، 3 .