الأشياء وودّعوها وداع من لا يعود إليها قط ، ودّعوا الخلق كلهم ونفوسهم من جملتهم ، وجودهم مع ربهم عزّ وجلّ في جميع أحوالهم .
كل من يطلب محبة الحق عزّ وجلّ مع وجود نفسه فهو في هوس وهذيان . الأكثر من المتزهدين المتعبدين عبيد الخلق مشركون بهم ، لا تتكلموا على الأسباب وتشركوا بها وتعتمدوا عليها فيغضب عليكم الحق عزّ وجلّ الذي هو مسبب الأسباب الخالق لها المتصرف فيها ، اعتقاد المتبعين لكتاب اللّه عزّ وجلّ وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
إن السيف لا يقطع بطبعه ، بل اللّه عزّ وجلّ يقطع به ، وإن النار لا تحرق بطبعها بل اللّه عزّ وجلّ المحرق بها ، وإن الطعام لا يشبع بطبعه به اللّه عزّ وجلّ يشبع به ، وإن الماء لا يروي بطبعه بل اللّه عزّ وجلّ المروي به ، وهكذا جميع الأسباب على اختلاف أجناسها اللّه عزّ وجلّ المتصرّف فيها وبها ، وهي له بين يديه يفعل بها ما يشاء .
إذا كان هو الفاعل على الحقيقة فلم لا ترجعون إليه في جميع أموركم وتتركون حوائجكم وتلزمون التوحيد له في جميع أحوالكم ؟ أمره ظاهر لا يخفى على كل عاقل :
العبد يضرب بالعصا والحرّ تكفيه الإشارة
أطيعوه فإنه يعزّ من أطاعه ، لا تعصوه فإنه يذلّ من عصاه ، النصر والخذلان بيده ، يعزّ بالنصر من يشاء ويذلّ بالخذلان من يشاء ، يعزّ بالعلم من يشاء ويذلّ بالجهل من يشاء ، يعزّ بالقرب من يشاء ويذلّ بالبعد من يشاء .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 266
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٦٦