النبيين والمرسلين والصالحين ، وكيف استنقذهم الحق عزّ وجلّ من أيدي الأعداء ونصرهم عليهم وجعل لهم من أمورهم فرجا ومخرجا . بالفكر الصحيح يصح التوكل ، وتغيب عن القلب ، وينسى الجن والإنس والملك وجميع الخلق ، ويذكر الحق عزّ وجلّ .
يصير صاحب هذا القلب ، كأنه لم يخلق غيره ، يصير كأنه المأمور دون الخلق ، كأنه المنهي دونهم ، هو المنعم عليه دونهم ، كأن التكاليف كلها على عنق سرّه وقلبه ، يرى جبال التكاليف على اختلاف أجناسهم أنها رسالة من المكلف ، فيحملها تحقيقا للعبودية والطواعية .
يصير حاملا للخلق والخالق يحمله ، يصير طبيبا لهم ، وربه عزّ وجلّ طبيبه ، يصير باب الخلق إلى الحق عزّ وجلّ وسفيرا بينهم وبينه ، يصير شمسا يستضيئون به في طريقهم إليه ، يصير طعام الخلق وشرابهم فلا يغيب عنهم ، يصير كل نعمه مصالحهم وينسى نفسه ، يصير كأن لا نفس له ولا طبع ولا هوى ، ينسى طعامه وشرابه ولباسه ، يصير ناسيا لنفسه ذاكرا الخلق ربه عزّ وجلّ ، يخرج بقلبه عن نفسه والخلق ويبقى بربه عزّ وجلّ ، كل طلبه نفع الخلق ، قد سلم نفسه إلى يد قضاء ربه عزّ وجلّ ، هو ناحية عنه بكليته ، هذه صفة من يريد الوقوف في استجلاب الخلق إلى باب الحق عزّ وجلّ .
أنت مهووس جاهل باللّه عزّ وجلّ وبرسله وأوليائه وخواصه من خلقه ، تدّعي الزهد وأنت راغب ، زهدك زمن لا أقدام له ، كل رغبتك في الدنيا والخلق ، لا رغبة لك في ربك عزّ وجلّ .
دونك والقيام بين يديّ ، قدّم حسن الظن والأدب حتى أدلك على ربك عزّ وجلّ وأعرفك الطريق إليه ، انزع عنك لباس الكبر والبس لباس التواضع ، ذلّ حتى تعزّ ، وتواضع حتى ترتفع ، جميع ما أنت فيه وعليه كله هوس لا ينظر اللّه عزّ وجلّ إليه ، هذا الأمر لا يجيء بأعمال الجسد وإنما يجيء بأعمال القلوب ثم أعمال الجسد ، نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم كان يقول :
( الزهد ههنا التقوى ههنا الإخلاص ههنا ويشير إلى صدره ) .
من أراد الفلاح فليصر أرضا تحت أقدام الشيوخ ، ما صفة هؤلاء الشيوخ ؟ هم التاركون للدنيا والخلق ، المودعون لهما ، المودعون لما تحت العرش إلى الثرى ، الذين تركوا
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 265
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٦٥