تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
من أحبّ بعض الملوك وبينه وبينه مسافة بعيدة غلب عليه الحبّ وخرج هائما على وجهه قاصدا إلى بلده ، يواصل الضياء بالظلام في السير ، يتحمل المشاقّ والمخاوف ، لا يهنأ بأكل ولا شرب حتى يصل إلى باب دراه وعند الملك خبر بحاله . فيخرج له غلمانه فيرحبون به ، ويحملونه إلى الحمام فيزيلون وسخه ويلبسونه أحسن الثياب ، ويطيبونه ويحضرونه بين يديه ، فيؤانسه ويكلمه ويسأله عن حاله ، ويزوّجه بأحسن جواريه ، وينعم عليه من ملكه ، ويصير محبوبه ، فهل يبقى بعد ذلك خوف أو تعب أو تمني العودة إلى بلده ؟ كيف يتمنى فراقه وقد صار عنده مكينا أمينا ؟ هذا القلب إذا وصل إلى الحق عزّ وجلّ صار ممكنا من قربه ومناجاته ، آمنا عنده فلا يتمنى الرجوع عنه إلى غيره ، ووصول القلب إلى هذا المقام بأداء الفرائض والصبر على الحرام والشهوات وتناول المباح والحلال ، لا بالهوى والشهوة والوجود واستعمال الورع الشافي والزهد الكامل وهو ترك ما سوى اللّه عزّ وجلّ ومخالفة النفس والهوى والشيطان وطهارة القلب من الخلق في الجملة ، واستواء الحمد والذم والعطاء والمنع والحجر والمدر . أول هذا الأمر شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وانتهاؤه استواء الحجر والمدر ؛ من صح قلبه واتصل بربه عزّ وجلّ استوى عنده الحجر والمدر والحمد والذم والسقم والعافية ، الغنى والفقر ، إقبال الدنيا وإدبارها ، من صح له هذا ماتت نفسه وهواه ، وانخمدت نائرة طبعه ، وذلّ شيطانه له ، تحتقر الدنيا وأربابها عند قلبه ، وتعظم الآخرة وأربابها عنده ، ثم يعرض عنهما ويقبل على مولاه عزّ وجلّ . يصير لقلبه درب في وسط الخلق يجوز فيه إلى الحق ، ينفردون له يمينا وشمالا ، يتنحون ويخلون الطريق له ، يفرّون من نار صدقه وهيبة سرّه . من صح له هذا لا يردّه رادّ ولا يصدّه صاد عن باب الحق عزّ وجلّ . لا تردّ رايته ولا يهزم جيشه ، ولا يسكت طيره ، ولا يكل سيف توحيده ، ولا تعيا خطوات إخلاصه ، ولا يعسر عليه أمره ، ولا يثبت بين يديه باب ولا غلق ، تطير الأبواب والأغلاق وتنفتح الجهات ، لا يقف بين يديه شيء حتى يقف بين يدي الرب ، فهذا يلطف إليه وينومه في حجره ، فيطعمه الفضل ويسقيه الأنس ، فحينئذ يرى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . رجوع هذا العبد إلى الخلق سبب هدايتهم
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 263 | عبد القادر الجيلاني