تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
مصنوع ويسير إلى الصانع ، فلا جرم يتولى الحق عزّ وجلّ أهله وولده وجميع أسبابه من الحلال ما يكتم عن البعداء لا عن القرباء ، عن المبغضين لا عن المحبين ، يكتم عن الأغلب لا عن النادر ، هذا القلب إذا صحّ وصفا سمع مناداة الحق عزّ وجلّ من جهاته الست ، يسمع مناداة كل نبيّ ورسول وصدّيق ووليّ ، فحينئذ يقرب منه فيصير حياته القرب منه وموته البعد عنه ، يصير رضاه في مناجاته له ، يقنع بذلك عن كل شيء ، لا يبالي بذهاب الدنيا عنه ، لا يبالي بالجوع والعطش والعرى وكسر الأعراض ، رضا المريد في الطاعات ورضا العاربف المراد في القرب من اللّه عزّ وجلّ . يا متصنعا ما هذا ؟ ما أنت عليه ؟ ما يتم هذا الأمر بصيام النهار وقيام الليل والتخشن في المطعم والملبس مع وجود النفس والهوى والطبع والجهل ورؤية الخلق ، لا يجيء بهذا شيء . ويلك أخلص وتخلص صدق وقد وصلت وقربت همتك وقد علوت ، سلم وقد سلمت ، وافق وقد وفقت ، ارض وقد رضي عنك ، أسرع أنت وقد تمم الحق عزّ وجلّ لك . اللهم تولّ أمورنا في الدنيا والآخرة ، لا تكلنا إلى نفوسنا ولا إلى أحد من خلقك ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : ( يقول اللّه عزّ وجلّ لجبريل : يا جبريل أنم فلانا وأقم فلانا ) . هذا على وجهين : أقم فلانا المحب وأنم فلانا المحبوب ، هذا قد ادّعى محبتي لابد أن أناقشه وأقيمه مقامه حتى يتساقط عنه أوراق وجوده مع غيري ، أقمه حتى يتبين برهان دعواه حتى تتحقق محبته ، وأنم فلانا لأنه محبوب طال ما تعب ، ما بقيت عنده بقية من غيري ، اتحدت محبته لي ، وتحققت دعواه وبرهانه ووفاؤه بعهدي ، جاءت النوبة إلى ووفانى بعهده ، هو ضيف والضيف لا يستخدم ويتعب ، أنومه في حجر لطفي ، وأقعده على مائدة فضلي ، أونسه بقربي ، وأغيبه عن غيري ، قد صحت مودته ، فإذا صحت المودة زال التكليف . الوجه الآخر : أنم فلانا فإني أكره صوته ، وأقم فلانا فإني أحبّ سماع صوته ، إنما يصير المحبّ محبوبا إذا طهر قلبه عما سوى مولاه عزّ وجلّ ، إذا تمّ توحيده وتوكله وإيمانه وإيقانه ومعرفته صار حينئذ محبوبا يذهب الشقاء وتجيئه الراحة .