( ويلك ) تدعي أنك صوفي وأنت كدر ، الصوفي من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب اللّه عزّ وجلّ وسنة رسوله ، فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده ، ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلبه . أساس الخير متابعة النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم في قوله وفعله . كلما صفا قلب العبد رأى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في منامه يأمر بشيء وينهاه عن شيء ، يصير كله قلبا وتنعزل بنيته ، يصير سرّا بلا جهر ، صفاء بلا كدر ، يتنحى عنه قشر ظاهره إلى ناحية ويبقى لبا بلا قشر .
يصير مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من حيث معناه ، يتربى قلبه معه وبين يديه يصير يده في يده ، يكون النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم هو المخاطب عنه الحاجب بين يديه ، إخراج الكل من القلب . قلع الجبال الرواسي يحتاج إلى معاول المجاهدات والصبر على المكابدات ونزول الآفات ، لا تطلبوا ما لا يقع بأيديكم ، طوبى لكم إن عملتم بهذا السواد على البياض وكنتم مسلمين ، طوبى لكم تكونون يوم القيامة في زمرة المسلمين ولا تكونون في زمرة الكافرين ، طوبى بالعقود في أرض الجنة أو على بابها ولا تكونون من أصحاب الدركات ، تواضعوا ولا تتكبروا ، التواضع يرفع والتكبر يضع ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( من تواضع لله رفعه اللّه ) .
إذا دام القلب على ذكر الحق عزّ وجلّ جاءت إليه المعرفة والعلم والتوحيد والتوكل والإعراض عما سواه . في الجملة دوام الذكر سبب لدوام الخير في الدنيا والآخرة ، إذا صح القلب صار دائما فيه ، يكتب في جوانبه وعلى جملته ، فتنام عيناه وقلبه ذاكر لربه عزّ وجلّ ، يرث ذلك عن نبيه صلى اللّه تعالى عليه وسلم .
كان بعض الصالحين يتكلف النوم في بعض الليل ويتهيأ له من غير حاجة إليه ، فسئل عن ذلك فقال : يرى قلبي ربي عزّ وجلّ . صدق في قوله لأن المنام الصادق وحي من اللّه عزّ وجلّ ، كانت قوّة عينه في نومه .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 259
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٥٩