تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ويحدثه مناما قد يحدث قلبه غليه يقظة ، يغمض عيني وجوده فيراه بعينيه كما هو عليه من حيث الظاهر ، ويعطيه معنى آخر فيراه به ، يرى قربه ، يرى صفاته ، يرى كراماته وفضله وإحسانه واللطف به ، يرى برّه وكنفه . من تحققت عبوديته ومعرفته لا يقول أرني ولا لا ترني ، لا أعطني ولا لا تعطني ، فيصير فانيا مستغرقا ، ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام : إيش عليّ مني ، ما أحسن ما قال : أنا عبده ، وليس للعبد مع سيده اختيار ولا إرادة « 1 » . اشترى رجل مملوكا ، وكان ذلك المملوك من أهل الدين والصلاح ، فقال له : يا مملوك إيش تريد تأكل ؟ فقال : ما تطعمني ، فقال له : ما الذي تريد تلبس ؟ فقال : ما تلبسني ، فقال له : أين تريد تقعد من دراي ؟ فقال : موضع ما تقعدني ، فقال له : ما الذي تحبّ أن تعمل من الأشغال ؟ فقال : ما تأمرني . فبكى الرجل فقال : طوبى لي ، لو كنت مع ربي عزّ وجلّ كما أنت معي ؟ فقال المملوك : يا سيدي وهل للعبد مع سيده إرادة أو اختيار ؟ فقال له : أنت حرّ لوجه اللّه ، وأريد أن تقعد عندي حتى أخدمك بنفسي ومالي . كل من عرف اللّه عزّ وجلّ لا يبقى له إرادة ولا اختيار ويقول : إيش عليّ منيّ ؟ لا تزاحم القدر في أموره ولا في أمور غيره ، آحاد أفراد من عباد اللّه عزّ وجلّ يزهدون في الخلق ويستأنسون بالخلوات ، يستأنسون بقراءة القرآن وبقراءة كلام الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلا جرم تصير لهم قلوب مستأنسة بالخلق قريبة منه ، يرون بها نفوسهم ونفوس غيرهم ، تصح قلوبهم فلا يخفى عليهم شيء مما أنتم عليه ، يتكلمون على خواطركم ويخبرونكم بما في بيوتكم . ( ويحك ) كن عاقلا ، لا تزاحم القوم بجهلك بعد ما خرجت من الكتاب ، صعدت تتكلم على الناس ، هذا أمر يحتاج إلى إحكام الظاهر وإحكام الباطن ثم الغنى عن الكل ، ثم يحتاج أن تقع في ضرورتين : الأولى أن لا يبقى في بلدتك غيرك فتتكلم على الناس ضرورة ، والأخرى أنك تؤمر بالكلام من حيث قلبك فحينئذ ترقى إلى هذا المقام لترد الخلق إلى الخالق .
هامش
( 1 ) هذا تفسير طيب للرؤية عند الصوفية ، فقد أخطأ البعض في ذلك بما يخالف العقل والنقل ، ومعنى شرح الجيلاني رحمه اللّه أن الإنسان يرى ربه بنور قلبه وليس بعيني إحساسه وقد يكون ذلك برؤية فضله وبره وإحسانه كما قال الشيخ رحمه اللّه .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 258 | عبد القادر الجيلاني