فارجع عن محبته ، وإن وافقا الذي أبغضته فارجع عن بغضه ، وإن خالفا فدم على بغضه ، وإن لم ينفعك ذلك ولم يبن لك فارجع إلى قلوب الصدّيقين وسلهم عنهما ، ارجع إلى قلوبهم فهي الصحيحة ، لأن القلب إذا صح كان أقرب الأشياء إلى اللّه عزّ وجلّ . القلب إذا عمل بالكتاب والسنة قرب ، وإذا قرب علم وأبصر ما له وما عليه ، وما للّه عزّ وجلّ وما لغيره ، وما للحق وما للباطل . إذا كان المؤمن له نور ينظر به فكيف لا يكون للصديق والمقرّب ؟ المؤمن له نور ينظر به ، ولهذا حذّر النبي صلى اللّه عليه وسلم من نظره فقال :
( اتّقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه عزّ وجلّ ) .
والعارف المقرّب يعطي أيضا نورا يرى به قربه من ربه عزّ وجلّ ويرى قرب ربه عزّ وجلّ من قلبه ، يرى أرواح الملائكة والنبيين وقلوب الصدّيقين وأرواحهم ، يرى أحوالهم ومقاماتهم ، كل هذا في سويداء قلبه وصفاء سرّه .
هو أبدا في فرحه مع ربه عزّ وجلّ ، هو واسطة يأخذ منه ويفرق على الخلق ، منهم من يكون عليم اللسان والقلب ، ومنهم من يكون عليم القلب ألسن اللسان . وأما المنافق فهو عليم اللسان ألكن القلب ، كل علمه في لسانه ، ولهذا قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( أخوف ما أخاف على أمّتي من منافق عليم اللّسان ) .
لا تغترّ بشيء فإن اللّه فعّال لما يريد ، ولهذا حكى عن بعض الصالحين أنه زار أخاه في اللّه تعالى فقال له : يا أخي تعال حتى نبكي على علم اللّه فينا ، ما أحسن ما قال هذا الصالح ، قد كان عارفا باللّه عزّ وجلّ ، وقد سمع قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع أو باع فتدركه الشقاوة فيصير من أهل النّار . ويعمل أحدكم بعمل أهل النّار حتّى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع أو باع فتدركه السّعادة فيصير من أهل الجنّة ) .
قيل لبعض الصالحين : هل رأيت ربك ؟ فقال : لو لم أره لتقطعت مكاني . إن قال قائل كيف تراه فأقول : إذا خرج الخلق من قلب العبد ولم يبق فيه سوى الحق عزّ وجلّ يريه ويقربه كما يشاء ، يريه باطنا كما أرى غيره ظاهرا ، يريه كما أرى نبينا محمدا صلى اللّه تعالى عليه وسلم نفسه ليلة المعراج ، كما يرى هذا العبد نفسه ، ويقرّبه
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 257
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٥٧