تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
قلوبهم نائية معتزلة عن الأشياء جميعا ، شغلهم في الظاهر أحكام الحكم ، كلما تدنس ثوبهم غسلوه وطيبوه وبخروه ، كلما تخرق منه شيء رقعوه وخيطوه ، هم رؤوس الخلق ، ذرّة منهم كالجبال الرواسي ، قلوبهم مع ربهم عزّ وجلّ مستطرحون بين يديه مراقبون له غائصون في علمه . اللهم اجعل غذاءنا ذكرك وغنانا قربك آمين . أنت ميت القلب وصحبتك أيضا لموتى القلوب ، عليك بالأحياء النجباء البدلاء أنت قبرا مثلك ، ميت تأتي ميتا مثلك ، أنت زمن يقودك زمن مثلك ، أعمى يقودك أعمى مثلك ، اصحب المؤمنين الموقنين الصالحين واصبر على كلامهم واقبله واعمل به وقد أفلحت ، اسمع قول الشيوخ واعمل به ، واحترمهم إن أردت الفلاح كان لي شيوخ كلما أشكل عليّ وخطر بقلبي يحدثني به ولا يحوجني إلى الكلام ، فكان ذلك لاحترامي وحسن أدبي معه ، ما صحبت قط الشيوخ إلا بالاحترام وحسن الأدب . الصوفيّ لا يكون بخيلا ، لأنه ما بقي له شيء يبخل به وقد ادّعى ترك الكل ، إن أعطى شيئا أخذه لغيره لا له قد صفا قلبه عن الموجودات والمصوّرات ، إنما يبخل من له مال . والصوفي قد صارت الأشياء لغيره ، فكيف يبخل بمال غيره ؟ لا عدوّ له ولا صديق ، ولا التفات له إلى سماع الحمد والذمّ لا يرى العطاء والمنع والضرّ والنفع من غير اللّه عزّ وجلّ لا يفرح بالحياة ولا يغتمّ بالموت ، موته سخط ربه عزّ وجلّ عليه ، وحياته رضاه عنه ، وحشته في الجلوة وأنسه في الخلوة طعامه ذكر ربه عزّ وجلّ وشرابه من شراب الأنس به ، لا جرم لا يكون بخيلا بحطام الدنيا وما فيها لأنه عنده غنى عن الجميع .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 201 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 251 | عبد القادر الجيلاني