تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
جميع الخلائق من قلوبهم ، لا يبقى فيها سوى اللّه عزّ وجلّ ، يبقى فيها الذكر الخفيّ له لغيره ، اللهم ارزقنا العلم بك . ( ويحك ) إنك تظن أنك تقدر تبهرج نفسك ، لولا الحكم لنزلت إليك يا منافق فضحتك ، لا تخاطر برأسك معي ، فإني لا أستحي إلا من اللّه عزّ وجلّ ومن عباده الصالحين . العبد إذا عرف اللّه عزّ وجلّ سقط الخلق من قلبه ، وتناثروا عنه كما يتناثر الورق اليابس من الشجر ، فيبقى بلا خلق . في الجملة يعمى عن رؤيتهم ويصمّ عن سماع كلامهم من حيث قلبه وسرّه ، إذا صارت النفس مطمئنة سلم إليها حفظ الجوارح ، ثم يسافر القلب إلى جع يطلب ما عنده ، ثم تأتي الدنيا فتصبر سائسة للنفس قائمة بمصالحها ، هذا دأب اللّه عزّ وجلّ وصنعه في حق الطالبين له ، تأتيهما لدنيا وقت استيفاء الأقسام في صورة عجوز شمطاء شوهاء فتوفيهم أقسامهم ، تكون خادمة لا سرية ، يأخذون منها مالهم عندنا ولا يلتفتون إليها . ( يا غلام ) فرّغ قلبك لربك عزّ وجلّ ، واشغل جوارحك ونفسك بالكدّ على العيال ، فتعمل بأمره وتكتسب بين الحق عزّ وجلّ وترك السؤال له مع الصبر والرضا أولى من الدعاء والسؤال والإلحاح . امح علمك لعلمه ، ونحّ تدبيرك لتدبيره ، واقطع إرادتك لإرادته ، واعزل عقلك عند مجيء أقضيته وأقداره ، افعل ذلك معه إن أردته ربا ومعينا ومسلما . عليك بالسكون بين يديه إن أردت الوصول إليه . المؤمن اتحدت خواطره وهممه ، لم يبق له سوى خاطر يخطر من الحق عزّ وجلّ إلى قلبه وهو واقف على باب قربه من ربه عزّ وجلّ ، فإذا تمكنت معرفته له فتح الباب في وجهه ، فحصل من ورائه فرأى مالا يقدر على وصفه الخاطر للقلب والإشارة كلام خفي للسرّ الفاني عن نفسه وهواه وأخلاقه المذمومة وعن سائر الخلق في عافية وطيبة ونعمة ، هو مقلب مصرّف فيه كأصحاب الكهف ، قال اللّه عزّ وجلّ في حقهم :
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
« 1 » . ( يا غلام ) اسمع بهذا وآمن بهذا ولا تكذبه ، لا تحرم نفسك الخير من كل وجه .
هامش
( 1 ) سورة الكهف آية : 18 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 248 | عبد القادر الجيلاني