تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وهواه مغلوب ونائرة طبعه مخمودة وشيطانه حابس ، ما يقع بيده منه شيء يطوف عليه لا يجده ، التوكل ليس فيه وقوف مع سبب ، والتوحيد ليس فيه رؤية الضرّ والنفع من أحد . أنت نفس كلية ، هوى كلي ، عادة كلية ، ما عندك من التوكل والتوحيد خير ، مرارة ثم حلاوة ثم كسر ثم جبر ثم موت ثم حياة دائمة ، ذل ثم عز ، فقر ثم غنى ، انعدام ثم إيجاد به لا بك ، إن صبرت على هذا صح لك ما تريد من الحق عزّ وجلّ ، وإلا فما يصح لك شيء . كل ما أشغلك عن اللّه عزّ وجلّ فهو عليك ميشوم ، وإن كان الصوم والصلاة بعد أداء الفرائض والسنة . إذا أدّيت لفرض من الصوم ثم أشغلك بعد ذلك الجوع والعطش في صوم النافلة عن حضور قلبك بين يدي الحق عزّ وجلّ والمراقبة له وطيبة العيش به ومعه الدائرة على صحبته والقرب منه . أنت عبد الحجاب ، عبد الخلق ونفسك وهواك . العارف قائم مع اللّه عزّ وجلّ تحت لواء قربه مع علمه وسرّه ، ويدور مع قضائه وقدره ، وإذا عجز دور بلا تدوير منه ، حرك بلا تحريك منه ، سكن بلا تسكين منه ، يصير من جملة الذين قال له في حقهم :
وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
« 1 » . لما جاء العجز منهم حركوا الحركة مع القدرة والسكون والتسليم عند العجز ، الحركة عند وجودك والسكون عند فقدك ، الحركة في الحكم والسكون في العلم ، إنما تصح نفسك بعد خروجك من النفس والهوى والطبع والخلق . في الجملة لا تتقيد بالخلق ، فما يملك ضرّك ولا نفعك ولا رزقك غير ربك عزّ وجلّ ، كن أبدا في طاعته وأمره ونهيه ، لا يبقى بيدك شيء سوى اللّه عزّ وجلّ ، فتصير أغنى الخلق وأعزّهم ، فتصير كآدم عليه السلام يأمر بالسجود له ، وهذا من وراء عقول الخلق العوام منهم وكثير من الخواص ، فهو ذرّة آدم ومن جملة لبه . يا قليل العلم نفعه ثم اعتزل . القوم تفقهوا ثم اعتزلوا عن الخلق بقلوبهم ، ظواهرهم مع الخلق لإصلاحهم وبواطنهم مع الحقّ عزّ وجلّ في خدمته وصحبته ، فهم كاتبون تائبون كائنون مع الخلق في الحكم وناءون عنهم بقلوبهم .
هامش
( 1 ) سورة الكهف آية : 18 .