مستغنين بأرائهم عن رأي الأصفياء الأنبياء والمرسلين والصالحين ، يا واثقين بالخلق دون الحق عزّ وجلّ ، أما سمعتم أن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال :
( ملعون ملعون من كانت ثقته بمخلوق مثله ) .
لا تطلب الدنيا ولا تغضب لشيء منها ، فإن ذلك يفسد قلبك كما يفسد الخلّ العسل .
( ويحك ) قد جعلت بين حبّ الدنيا وبين التكبر ، وهاتان خصلتان لا يفلح صاحبهما إن لم يتب منهما ، كن عاقلا ، من أنت وما أنت ؟ ومن أي شيء خلقت ولأي شيء خلقت ؟ لا تتكبر ، فما يتكبر إلا جاهل باللّه عزّ وجلّ وبرسوله والصالحين من عباده ، يا قليل العقل تطلب الرفعة بالتكبر ، اعكس تصب ، فإن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال :
( من تواضع لله رفعه اللّه عزّ وجلّ ، ومن تكبّر وضعه اللّه ) .
من رضي بالآخرة صار في الأولى ، من رضي بالقليل جاءه الكثير ، من رضي جاءه العزّ ، ارض بالدون حتى ينقلب الأمر في حقك ، من ذلّ للقدر ورضي به رفعه اللّه عزّ وجلّ القادر على جميع الأشياء . التواضع وحسن الأدب يقرّبك ، والتكبر وسوء الأدب يبعدك ، الطاعة تصلحك وتقرّبك ، والمعصية تفسدك وتبعدك .
( يا غلام ) لا تبع الدين بالتين ، لا تبع دينك بتين السلاطين والملوك والأغنياء وأكله الحرام ، إذا أكلت بدينك اسودّ قلبك ، وكيف لا يسودّ وأنت تعبد الخلق ؟ يا مخذول ، لو كان في قلبك نور لفرّقت بين الحرام والشبهة والمباح ، وبين ما يسوّد قلبك وينوّره ، وبين ما يقرّب قلبك ويبعده .
يا جاهل ما أعرف إلا الكسب أو التوكل على الحق عزّ وجلّ ، الأخذ بالكسب في بداية ثم عند قوّة الإيمان ، الأخذ من اللّه عزّ وجلّ بعد ارتفاع الوسائط بينك وبينه ، إذا قوى القلب أخذ من الحق عزّ وجلّ على أيدي الخلق بأمر الحق عزّ وجلّ . ومعنى قولي ارتفاع الوسائط : يعني ارتفاع وقوف القلب مع الوسائط والشرك بما يمتثل أمر اللّه عزّ وجلّ ، فيأخذ منهم ويتطارش عن حمدهم وذمهم وقبولهم وردّهم .
إن أعطوا رأوا فعل اللّه عزّ وجلّ فيهم ، وإن منعوا كذلك ، القوم صمّ بكم عمي عن غير اللّه عزّ وجلّ ، ما عندهم إلا هو ، ناصرهم وخاذلهم ، معطيهم ومانعهم ، ضارّهم ونافعهم ، عندهم لبّ بلا قشر ، صفاء على صفاء ، طيب على طيب ، فذلك الذي يخرج
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 247
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٤٧