المجلس السادس والخمسون [ المراقبة في اللّه ]
وقال رضي اللّه عنه بكرة الأحد في الرباط تاسع عشر شهر رمضان سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
( يا غلام ) إني أرى تصاريفك غير تصاريف المراقبين للّه عزّ وجلّ ، الخائفين منه ، تواصل أهل الشرّ والفساد ، وتفارق الأولياء والأصفياء ، قد فرغت قلبك من الحق عزّ وجلّ وملأته من الفرح بالدنيا وأهلها وحطامها ، أما علمت أن الخوف شحنة في القلب ومنور له ومبين ومفسر ؟ إن دمت على هذا فقد ودعت السلامة دنيا وآخرة ، لو ذكرت الموت قلّ فرحك بالدنيا وكثر زهدك فيها . من آخره الموت كيف يفرح بشيء ؟ قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( لكلّ ساع غاية وغاية كلّ حيّ الموت ) .
آخر الأحزان والأفراح والغنى والفقر والشدّة والرخاء والأمراض والأوجاع الموت ، من مات قامت قيامته وقرب البعيد في حقه ، جميع ما أنت فيه هوس ، تفرّد عما أنت فيه جميعه بقلبك وسرّك وباطنك . الدنيا إلى أمد معلوم ، والآخرة إلى أبد غير معلوم .
حياتك في الدنيا إلى أمد معلوم ، وحياتك في الآخرة إلى أبد غير معلوم ، اجهد أن يكون كلك طاعة ، فإذا فعلت ذلك صرت بجملتك لربك عزّ وجلّ ، المعصية وجود النفس ، والطاعة فقدانها ، تناول الشهوات وجود النفس ، والامتناع عنها فقدانها ، امتنع عن الشهوات ولا تتناولها إلا موافقة لقدر اللّه عزّ وجلّ لا باختيارك وشهواتك .
تناول الشهوات بيد الزهد فيها قهرا وجبرا تجرّك يد الزهد فتتناول الشهوة فتبلغها إلى النفس الزهد لابد منه يحتاج إليه قبل العلم بحالتك ، الزهد في الظلمة والتناول والرغبة في الضياء ذلك ظلمة ، فإذا خرج عنك فقد رأيت الضياء .
القدرة ظلمة ووقوفك مع المقدر ضياء ، أول أمرك ظلمة ، فإذا جاء الكشف من اللّه عزّ وجلّ وثبت بين يديه صار أمرك ضياء ، إذا جاء نور قمر المعرفة كشف ظلمة ليلة القدر ، فإذا طلعت شمس العلم باللّه عزّ وجلّ زالت الأقدار والظلمة .
في الجملة يتبين لك ما حولك وما هو بعيد عنك ، يبين لك ويتضح ما كان مشكلا