تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
أنتم خلق كلي ، نفس كلي ، هوى كلي غيبة كلية ، طبع كلي ، ما عندكم من اللّه عزّ وجلّ ولا من العارفين به خبر ، أنتم مجانين بالإضافة إليهم هم العقلاء ، إذا تمّ جنون مجنون الحق عزّ وجلّ حان خروجه من الجنون ، الحركة بداية والسكون نهاية ، يزول المرض ويتبعه حكمة . ( يا غلام ) أنت فارغ من الآخرة ملآن بالدنيا ، وغمني حالك ، ويغمني فراقك للصالحين والأولياء ، وترك مجالستهم واستغناؤك برأيك ، أما علمت أن من استغنى برأيه ضلّ ؟ ما من عالم إلا ويحتاج إلى زيادة علم ، ما من عالم إلا وغيره أعلم منه ، قال اللّه عزّ وجلّ :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » . عليك بالجمهور ، عليك بالسواد الأعظم ، عليك بالجادة ، عليك بالمتابعة وترك المفارقة لأداء الطريق . ( اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ) . هذه الطريق لا تسلك مع النفس والهوى ، بل مع الحكم والعمل به ، وترك الحول والقوة والجلادة ، وأخذ الاستسلام والاستطراح ، وترك العجلة وأخذ التؤدة ، هذا شيء لا يجيء بعجلتك ، يحتاج إلى حبال . ورجال وصبر ومعاناة ومجاهدة ، وأن تصحب بعض ملوك المعرفة حتى يدلك ويعرفك ويحمل عنك ثقلك ، تمشي في ركابه فإذا تعبت أمر بحملك أو أردفك خلفه ، إن كنت محبا أردفك خلفه ، وإن كنت محبوبا أركبك في سرجه وركب هو خلفك ، من ذاق هذا فقد عرفه . القعود مع أهل الأهلية نعمة ، ومع الأغيار المكذبين المنافقين نقمة ، عليك بالمراقبة للّه عزّ وجلّ والمطالبة لنفسك بما عليها من حقوق الحق عزّ وجلّ وحقوق خلقه ، إن أردت الخير دنيا وآخرة فراقب علم اللّه عزّ وجلّ فيك ، وطالب نفسك بالعمل تطالبها بأمر اللّه عزّ وجلّ ، وتنهاها عن ارتكاب معاصيه ، وتلزمها بالصبر عند مجيء الآفات ، والرضا عند مجيء الأقضية والأقدار ، وبالشكر عند مجيء النعم ، فإذا فعلت هذا
هامش
( 1 ) سورة الإسراء آية : 85 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 243 | عبد القادر الجيلاني