الأمر ضيق القلب والصدر ، ثم وسع قلبه وأعطاه الحكم والنبوّة والعلم .
يا جاهل : من هذه قدرته ينسى ويعصي ؟ لا تنس من لا ينساك ولا تغفل عمن لا يغفل عنك ، أذكر الموت فإن ملك الموت موكل بأرواحهم ، لا يغرّك شبابك ومالك وجميع ما أنت فيه عن قريب يؤخذ منك ما أنت فيه وتذكر تفريطك وتضييعك لهذه الأيام في البطالات فتندم ولا ينفعك الندم ، عن قريب تموت وتذكر كلامي ونصحي لك ، وتتمنى في قبرك أن تكون عندي وتسمع مني .
اجتهد أن تقبل قولي وتعمل به حتى تكون معي دنيا وآخرة ، أحسن ظنك بي حتى تنتفع بقولي ، أحسن ظنك بغيرك وأسئ ظنك بنفسك ، إن فعلت هذا انتفعت وانتفع غيرك بك ما دمت مع غير اللّه عزّ وجلّ فأنت في همّ وغمّ وشرك وثقل ، أخرج من الخلق بقلبك واتصل بالحق عزّ وجلّ وقد رأيت مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، هذا الذي أنت فيه لا يصح ولا يتم ، لأن أساسه واه ما هو محكم ، هو مزبلة وقد بنيت على ربوة ، تب إلى الحق عزّ وجلّ واسأله تغيير ما أنت عليه وفيه من طلب الدنيا والإعراض عن الآخرة .
( ويحك ) قد اختار اللّه عزّ وجلّ لك الفقر وأنت تريد الغنى ، أما علمت أنه يختار لك وأنت كاره ؟ إنما تكره اختيار اللّه عزّ وجلّ نفسك وهواك وطبعك وشيطانك وأقرانك السوء ، جميع هؤلاء يكرهون اختيار اللّه عزّ وجلّ فلا توافقهم ، ولا تلتفت إليهم وإلى اعتراضهم وتسخطهم على ربك عزّ وجلّ .
اسمع ما يأمر به القلب والسرّ ، فإنهم يأمران بالخير وينهيان عن الشرّ ، ارض بفقرك ، فإن رضاك به هو الغنى بعينه ، من العصمة أن لا تقدر لأنه إذا أقدرك الغالب وإلا ظهر أنك تهلك بمعاصيه ، وإذا أفقرك وأعجزك الغالب وإلا ظهر أنه يعصمك من المعاصي ، فإذا صبرت على اختياره كان لك عنده ثواب لا تقدر أن تحصيه أنت وأهل الأرض ، أنت مستعجل لا يقع بيده شيء من الذي يريد .
العجلة من الشيطان والتؤدة من الرحمن ، إذا استعجلت كنت من جند الشيطان ومعه ، وإذا توقفت وثبت وتأدّبت وصبرت كنت من جند الرحمن ومعه ، حقيقة التقوى فعل ما أمرك اللّه عزّ وجلّ بفعله وترك ما أمرك اللّه بتركه ، والصبر على أفعاله ومقدوراته وسائر بلاياه وآفاته .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 242
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٤٢