وجلّ مغذيهم بما يريد . من ادّعى محبة اللّه عزّ وجلّ وطلب منه غيره فقد كذب في محبته ، أما إذا صار محبوبا وأصلا ضيفا مقرّبا يقال له اطلب وتشه وقل ما تريد فإنك ممكن ، المحبّ مقبوض والمحبوب مبسوط ، الحرمان للمحبّ والعطاء للمحبوب .
ما دام العبد محبا فهو في الهيمان والتقطع والتمزّق والكسب لأجل القوت ، فإذا انقلبت التوبة فصار محبوبا انقلب الأمر في حقه ، فجاء الدلال والرفاهية والسكون وسعة الرزق وتسخير الخلق ، كل هذا ببركة صبره وثباته في حال محبته . صحبة العبد للّه عزّ وجلّ ومحبة اللّه عزّ وجلّ ليست كمحبة المخلوق للمخلوق ، قال ربنا عزّ وجلّ :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 )
« 1 » .
اضرب الأمثال للناس ، اطلبوا منه الفهم عنه ، اطلبوا منه طيبة القلوب معه فإنه يوسع طيبة القلوب على من يشاء ، يكثر أرزاق القلوب لمن يشاء ، الواحد من هؤلاء يسع قلبه أهل السماوات والأرض ، يصير قلبه كعصا موسى عليه السلام ، كانت عصا موسى في ابتداء أمرها حكمة ثم صارت قدرة ، كانت تحمل زاده إذا لم يقدر على حلمه ، ويركبها إذا عجز عن المشي ، وتدفع عنه الأذى وهو قاعد ونائم ، وتثمر له ثمارا من كل جنس ، وتظلّ عليه إذا قعد ، أراه اللّه عزّ وجلّ قدرته فيها فاستأنس بالقدرة بواسطة العصا ، فلما جعله نبيا وقرّبه وكلمه وكلفه قال له :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 )
« 2 » .
فقال له ألقها يا موسى ، فألقاها فصارت حيّة عظيمة فهرب منها ، فقال له الحق عزّ وجلّ :
خُذْها وَلا تَخَفْ
« 3 » .
فكان المقصود من ذلك أن يطلعه على القدرة حتى يهون في عينه ملك فرعون ، ويعلمه الحرب لفرعون وقومه ، هيأه لقتالهم وأطلعه على خرق العادات ، كان في ابتداء
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية : 11 .
( 2 ) سورة طه آية : 17 - 18 .
( 3 ) سورة طه آية : 21 .