تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 )
« 1 » . كما قال ذلك لموسى وهارون عليهما السلام ، ما أنت منهم لأن معك حفظ العلم بلا عمل فلا جرم لا تكون وارثا ، الوراثة إنما تصح بالعلم والعمل والإخلاص ، أعرف قدرك ولا تتطاول إلى شيء لم يقسم لك ، وافق الحق عزّ وجلّ في مقدوره ، فلا جرم يوفقك ويلطف بك ويحمل عنك الأثقال ويرفق بك دنيا وآخرة . المؤمن إذا قوى إيمانه سمي موقنا ، ثم إذا قوى إيقانه سمي عارفا ، ثم إذا قويت معرفته سمي عالما ، وإذا قوى علمه سمي محبا ، وإذا قويت محبته سمي محبوبا ، وإذا صح له ذلك سمي غنيا مقرّبا مستأنسا يستأنس اللّه عزّ وجلّ ، يطلعه على أسرار حكمه وعلمه وسابقته ولا حقته وأمره وقدره ، ويكون ذلك على قدر حوصلاته وما يعطيه من القوة قلبه وسعته ، ثم قائم مع ربه عزّ وجلّ خارج بقلبه عن الخلق . إذا جاء علم ربه عزّ وجلّ السابق ومعه قسم من المأكولات والمشروبات والملبوس والمنكوح لا يجد من يتناوله منه لغيبة المنفذ به ، فيوجده الحق عزّ وجلّ للتناول لئلا يبطل عمله ونمحي فيخلقه خلقا آخر ، وينشئه لئلا ينتقض ما بناه في سابق علمه فيتلقم الأقسام كما يلقم الصبيّ الصغير ، وكما تضع الأم الدبس في فم ولدها الرضيع ، تنزل الأقسام في فمه ويلزم بأكلها كما يلزم المريض بتناول الأشربة ، ويحفظ قوته بها بلا اختيار منه في ذلك ، بل السابقة تربي هذا المؤمن الموقن العارف الفاني عن جلب المصالح إلى نفسه ودفع المضارّ عنها ، يد الرحمة تقلبه ذات اليمين وذات الشمال ، بل اللطف يشيله ويحطه . يا خيبة من لم يعرف اللّه عزّ وجلّ ولم يتعلق بذيل رحمنه ، يا خيبة من لم يعامله وينقطع إليه بقلبه ويتعلق به بسرّه ويتمسك بلطفه ومننه . ( يا قوم ) الحق عزّ وجلّ يتولى تربية قلوب الصدّيقين من حال صغرهم إلى كبرهم ، كلما اختبرهم بشيء من البلايا ورأى صبرهم ازداد قربهم منه ، البلايا لا تقهرهم ولا تلحقهم ، كيف تلحقهم وهي ماشية وقلوبهم على أجنحة الطيور الطائرة ؟ يا خيبة من يؤذي قلوبهم ، يا مقت اللّه عزّ وجلّ له ، يا حرمات اللّه عزّ وجلّ له ، يا غضب اللّه عزّ وجلّ له .
هامش
( 1 ) سورة طه آية : 46 .