تعالوا يا عباد اللّه عزّ وجلّ في الأرض ويا زهادا ، تعلموا شيئا ما عندكم منه خبر ، ادخلوا كتابي حتى أعلمكم شيئا لا تجدونه عندكم . للقلوب كتاب ، وللأسرار كتاب ، وللنفوس كتاب ، وللجوارح كتاب ، هي درجات ومقامات وأقدام معدودة .
القدم الأول ما صح لك : كيف تصل إلى الثاني ؟ الإسلام ما صح لك فكيف تصل إلى الإيمان ؟ الإيمان ما صح لك فكيف تصل إلى الإيقان ؟ الإيقان ما صح لك فكيف تصل إلى المعرفة والولاية ؟ كن عاقلا ، ما أنت على شيء ، كلّ منكم يطلب الرياسة على الخلق بلا آلة فيه ، إنما تصح الرياسة على الخلق بعد الزهد فيهم وفي الدنيا والنفس والهوى والطبع والإرادة .
الرياسة من السماء تنزل لا من الأرض ، الولاية من الحق عزّ وجلّ لا من الخلق ، كن أبدا تابعا لا متبوعا ، صاحبا لا مصحوبا ، ارض بالذل والخمول ، فإن كان لك عند الحق عزّ وجلّ ضدّ ذلك فهو يجيئك في وقته ، عليك بالتسليم والتفويض وترك حولك وقوّتك واعتراضك وشركك بالخلق وبنفسك ، عليك بصحبة العبودية وهي امتثال الأمر والانتهاء عن النهي والصبر على الآفات ، أساس هذا الأمر التوحيد ، والثبات عليه الأعمال الصالحة الأساس ما أحكمته : على أيّ شيء تبني ؟ النية ما صحت لك : كيف تتكلم ؟ سكوتك ما تم لك ، كيف تنطق هذا الكلام على الخلق نيابة عن الرسل ؟ لأنهم هم الذين كانوا خطباء الخلق ، فما ذهبوا أقام الحق عزّ وجلّ العلماء العمال بعلمهم مقامهم وجعلهم ورّاثهم ، من يريد أن يكون في مقام الرسل يكون أطهر من الخلق في زمانه وأعلمهم بحكم اللّه عزّ وجلّ وعلمه ، يحسبون أن هذا الأمر هين .
يا جهالا باللّه وبرسله وأوليائه الصالحين من عباده ، يا جهالا بنفوسهم وطباعهم ودنياهم وأخراهم ، ويحكم اخرسوا واسكتوا حتى تنطقوا وتنعشوا وتقاموا وتجيئوا ، من غلب علمه هواه فذلك العلم النافع ، كيف لا يكون نافعا وقد أغلق أبواب الخلق وفتح باب الحق عزّ وجلّ الذي هو الباب الأكبر ؟ إذا صح هذا الغلق والفتح لعباده ذهبت عنه الرحمة وجاءته الخلوة ، جاءت الخلع إلى قلبه والنثار عليه ، جاءته المفاتيح ، تناثر عنه القشور وبقي اللبّ .
انسدّ طريق الهوى وانغلب وانقهر ، وانفتحت الطريق إلى الحق عزّ وجلّ وظهرت الجادة عليه ، جادة مراده التي هي جادة من تقدّم من الأنبياء والمرسلين والأولياء ، ما
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 235
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٣٥