تلك الجادة جادة الصفاء بلا كدر ، جادة التوحيد بلا شرك جادة الاستسلام بلا منازعة ، جادة الصدق بلا كذب ، جادة الحق عزّ وجلّ بلا خلق ، جادة المسبب بلا سبب .
هذه الجادة التي عليها أمراء الدين وسلاطين المعرفة وملوكها ، الذين هم رجال الحق عزّ وجلّ وأصفياؤه ونجباؤه الناصرون لدينه المعادون فيه والمحبون فيه .
( ويحك ) كيف تدّعي طريق هؤلاء القوم وأنت مشرك بك وبغيرك من الخلق ؟ لا إيمان لك وعلى وجه الأرض من تخالفه وترجوه ، لا زهد لك وفي الدنيا شيء تريده ، لا توحيد لك وأنت ترى غيره في طريقك إليه ، العارف غريب في الدنيا والآخرة ، وزاهد فيهما وفيما سوى الحق عزّ وجلّ ، في الجملة لا رغبة له في غيره .
( يا قوم ) اسمعوا مني وأزيلوا التهمة لي من قلوبكم ، كيف تتهموني وتغتابوني وأنا شفيق عليكم ، أحمل أثقالكم ، وأخيط فتوق أعمالكم ، وأشفع إلى الحق عزّ وجلّ في قبول حسناتكم والتجاوز عن سيئاتكم ؟ من عرفني ما يبرح من عندي إلى أن يموت ، يجعلني شهواته ولذاته وطعامه وشرابه ولباسه ، يستغني بي عن غيري .
( يا غلام ) كيف لا تنحني وأنا أريدك لك لا لي ؟ أريد منفعتك وتخلصك من يد الدنيا القتالة الغرارة ، إلى متى تعدون خلفها ؟ عن قريب تلتفت إليكم وتقتلكم ، الحق عزّ وجلّ لا يترك محبية مع الدنيا ولا لحظة ، لا يأمنها عليهم ولا يتركهم معها ولا مع غيره في الجملة ، بل هو معهم وهم معه ، قلوبهم أبدا له ذاكرة ، بين يديه حاضرة ، وعن غيره معرضة ، وعليه مقبلة ، فهو معهم حافظ لهم ، ولهم مؤنس .
اللهم اجعلنا منهم واحفظنا كما حفظتهم :
و
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
« 1 » .
وقال رضي اللّه عنه : يا منافق ، اللّه عزّ وجلّ هو المظهر لمن يشاء من عباده ، هو المنادي عليهم ، هو الجامع لقلوب الخلق على من يريد من عباده ، هو المسخر ، تريد أنت بنفاقك أن تجمع قلوب الخلق عليك ، لا يجيء من هذا شيء .
( يا غلام ) اترك شهواتك تحت أقدامك وأعرض عنها بكل قلبك ، فإن كان لك شيء منها في سابقة علم اللّه عزّ وجلّ فهو يجيئك في وقته ، لأن السابقة لا يصح الزهد
هامش
( 1 ) سورة البقرة آية : 201 .