قال الحسن البصري رحمة اللّه عليه : لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو رأوكم لقالوا ما آمن هؤلاء باللّه عزّ وجلّ طرفة عين ، خلوتك ما صحت ، لأن الخلوة عبارة عن التعرّي من حيث جميع الأشياء ، يتعرّى باطنك فيكون متجردا بلا دنيا ولا آخرة ولا ما سوى الحق عزّ وجلّ في الجملة ، وهذا هو جادة من تقدّم من الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أحبّ إليّ من ألف عابد في الصوامع ، نظر النفس أغمصه وقصره ورده حتى لا يكون نظرها سببا لهلاكها إلا أن تصير تابعة للقلب والسرّ من جملة أتباعهما .
لا تخرج لهما عن رأي وتتحد معها فلا يكون بينها وبينهما فرق ، تأمر بما يأمران به وتنهى عما ينهيان عنه وتختار ما يختارانه ، فحينئذ تصير نفسا مطمئنة فيتوافقون على طلب واحد ومقصود واحد ، إذا بلغت النفس إلى هذا الحال استحقت التقصير من مجاهدتها ، لا تنظر الحق عزّ وجلّ فيما يفعل وفي الخلق ، أما سمعت قول اللّه عزّ وجلّ :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » .
أين متابعة الحق عزّ وجلّ منك إن لم تحسن الأدب ، وإلا أخرجت من الدار مهانا ، وإن أحسنت الأدب ووافقت أقعدت وأكرمت . المحبّ للّه عزّ وجلّ ضيف عنده ، والضيف لا يتخير على أصحاب الدار في مأكوله ومشروبه وملبوسه وجميع أحواله ، بل لا يزال موافقا صابرا راضيا ، فلا جرم يقال له أبشر بما ترى وتلقى .
من عرف اللّه عزّ وجلّ غابت الدنيا والآخرة وما سوى الحق عزّ وجلّ عن قلبه ، يجب عليك أن يكون كلامك للّه عزّ وجلّ ، وإلا فالخرس أحبّ إليك ، لتكن حياتك في طاعة اللّه عزّ وجلّ وإلا فالموت أحبّ إليك .
اللهم احينا في طاعتك واحشرنا مع أهل طاعتك آمين .
وقال رضي اللّه تعالى عنه : المؤمن من هاجر لنفسه يصحب شيخا يؤدّبه ويعلمه ، لا يزال في التعليم من حال صغره إلى أن يموت في أول حاله . المقرئ يحفظه كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وفي ثاني حاله العالم يعلمه سنة خمس وأربعين وخمسمائة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومع ذلك التوفيق ملازم له .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء آية : 23 .