تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
العارف هو في كل ساعة أقرب إلى اللّه عزّ وجلّ مما كان في الساعة التي قبلها ، في كل ساعة يتجدّد خشوعه لربه عزّ وجلّ وذله له ، يخشع من حاضر لا من غائب ، زيادة خشوعه على قدر زيادة قربه من ربه عزّ وجلّ ، زيادة خرسه على قدر زيادة مشاهدته ، من عرف اللّه عزّ وجلّ خرس لسان نفسه وطبعه وهواه وعادته ووجوده ، أما لسان قلبه وسرّه وحاله ومقامه وعطائه فينطق بإظهار النعم التي عنده ، فلهذا يجالسون بالصمت لينتفع بهم ويشرب من الشراب الذي ينضج من قلوبهم . من أثر مخالطة العارفين باللّه عزّ وجلّ عرف نفسه ، ذلّ لربه عزّ وجلّ . ولهذا قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، هي الحجاب بين العبد وبين ربه عزّ وجلّ ، من عرف نفسه تواضع للّه عزّ وجلّ ، ولخلقة إذا عرفها حذرها واشتغل بشكر اللّه عزّ وجلّ على معرفتها ، وعلم أنه ما عرّفه إياها إلا وهو يريد له الخير دنيا وآخرة ، فظاهره مشغول بشكره وباطنه مشغول بحمده ، ظاهره متفرّق وباطنه مجتمع ، فرحه في باطنه وحزنه في ظاهره سترا للحال . والعارف على العكس من المؤمن ، فإن حزنه في قلبه وبشره في وجهه ، هو عليم ، واقف على الباب لا يدري ما يريد به ، هل يقبل أو يرد ؟ هل يفتح الباب في وجهه أو يدوم غلقه ؟ فمن عرف نفسه كان على العكس من المؤمن في جميع أحواله ، المؤمن صاحب حال والحال يحول ، والعارف صاحب مقام والمقام ثابت ، المؤمن خائف من انتقال حاله وزوال إيمانه ، فحزنه دائم في قلبه وبشره دائم في وجهه ، سائر بحزنه ، تكلمه يتبسم في وجهك وقلبه ينقطع بحزنه ، والعارف حزنه في وجهه لأنه يلقى الخلق بوجه النذارة ، يحذرهم ويأمرهم ينهاهم نيابة عن الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، القوم عملوا بما سمعوا فقرّبهم العمل إلى الحق عزّ وجلّ الذي عملوا له ، فسمعوا مواعظه من غير واسطة بإسماع قلوبهم ذلك عند الغيبة والنومة عن الخلق ، والحضور واليقظة بالخالق . إذا صح قلبك كنت أبدا في غيبة عن الخلق ونومة عنهم ويقظة بالخالق ، فلا يزال بالجلوة في الخلوة وأنت في الجلوة ، فلا تزال موارد الحق عزّ وجلّ وحكمه ترد عليك على السرّ ، والسرّ يملى على القلب ، والقلب يملى على النفس المطمئنة ، والنفس تملى على اللسان ، واللسان يملى على الخلق . من تكلم على الخلق بهذه الصفة وإلا فلا يتكلم ، جنون القوم ترك العادات الطبيعية والأفعال النفسية الهوائية والتعامي عن الشهوات والذات ، لا أنهم جنّوا كجنون المجانين الذين ذهبت عقولهم .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 232 | عبد القادر الجيلاني