تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
الشيطان والنفس والهوى . إذا رأى أحدكم ولده أسيرا في يد كافر أليس يجتهد في تخليصه ؟ فهكذا العارف ، الخلق جميعهم كالأولاد ، يخاطب الخلق بلسان الحكم ثم يرحمهم لاطلاعهم على العلم ، فيرى أفعال الحق عزّ وجلّ فيهم . ينظر إلى خروج الأقضية والأقدار من باب الحكم والعلم ولكنه يكتم ذلك ، ويخاطب الخلق بالحكم الذي هو الأمر والنهي ولا يخاطبهم بالعلم الذي هو السرّ . الحق عزّ وجلّ أرسل الرسل وأنزل الكتب وحذر وأنذر لتركيب الحجة على الخلق وعلمه فيهم لا تدخل فيه ولا تعترض عليه ، فيه كرّ وفرّ . والعلم فيه ثبات يحتاج إلى الحكم المشترك لك ولغيرك ، وتحتاج إلى العلم الخالص لك فحسب إذا عمل أحدكم بالعلم الظاهر زقه الرسول صلى اللّه عليه وسلم من العلم الباطن ، يزقه الحكم الباطن كما يزق الطير لولده ، يفعل ذلك معه لأجل تصديقه وعمله بقوله الظاهر وهو شريعته . ابن آدم إذا صح فلا صحيح مثله ، إذا صفا فلا صفاء مثله ، إذا قرب فلا قريب مثله ، الجاهل ينظر بعين رأسه ، والعاقل ينظر بعين عقله ، والعارف ينظر بعين قلبه مجوهرا عالما ، فليقمه الخلق بأسرهم فيغيبون فيه ، لا يبقى عنده سوى الحق عزّ وجلّ ، فحينئذ يقول :
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ
« 1 » . يصير الحق عزّ وجلّ ظاهره وباطنه ، وأوله وآخره ، وصورته ومعناه ، لا شيء غيره عنده ، فحينئذ يديم محبته معه دنيا وآخرة موافقا له في جميع الأحوال يختار رضاه وسخط غيره ، لا تأخذه فيه لومة لائم ، كما قال بعضهم رحمة اللّه تعالى عليه : وافق اللّه عزّ وجلّ في الخلق ولا توافق الخلق في اللّه تعالى . انكسر من انكسر وانجبر من انجبر ، شيطانك وهواك وطبعك وأقرانك السوء أعداؤك ، فاحذرهم حتى لا يوقعوك في الهلاك ، تعلّم العلم حتى تعلم كيف تعاديهم وتحذر منهم ، ثم تدري كيف تعبد ربك عزّ وجلّ ، الجاهل لا يقبل منه عبادة . عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
هامش
( 1 ) سورة الحديد آية : 3 .