المؤمن يزهد في الدنيا فيزيل الزهد وسخ باطنه ودرنه وكدره ، فيأتي الآخرة فيسكن قلبه ، ثم تأتي يد الغيرة فتزيلها عن قلبه وتعلمه أنه حجاب عن قرب الحق عزّ وجلّ ، فحينئذ يترك الاشتغال بالخلق في الجملة ويمتثل أوامر الشرع ويحفظ حدوده المشتركة بينه وبين العوامّ .
تنفتح عينا بصيرته فيبصر عيوب نفسه وعيوب المخلوقات ، فلا يسكن إلى غير ربه عزّ وجلّ ، ولا يسمع من غيره ، ولا يعقل عن غيره ، ولا يسكن إلى غير وعده ، ولا يخاف من غير وعيده ، يترك الشغل بغيره ويشتغل به ، فإذا تمّ هذا فهو فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
( يا غلام ) اشتغل بنفسك ثم غيرك ، لا تكن كالشمعة تحرق هي نفسها وتضيء لغيرها ، لا تدخل في شيء بك وبهواك ونفسك ، الحق عزّ وجلّ إذا أرادك لأمر هيأك له ، إن أرادك لنفع الخلق ردّك إليهم وأعطاك ثباتا ومداراة لهم وقوّة على مقاساتهم ، يوسع قلبك للخلق ويشرح صدرك ويقذف فيه الحكم ، يلاحظ باطنك ويسرّ إلى سرّك ، فحينئذ يكون هو لا أنت ، أما سمعت قوله عزّ وجلّ :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
« 1 » .
اعتبر قوله :
إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
.
ما قال أنت جعلت نفسك ، فالقوم لا إرادة لهم ولا اختيار ، بل هم في مجرد أمر الحق عزّ وجلّ وفعله وتدبيره وإرادته . يا منعزلا عن الطريق المستقيمة لا تحتج بشيء فما لك حجة ، الجادة بين يديك ، الحلال بيّن الحرام بيّن ، ما أوقحك على اللّه عزّ وجلّ ، ما أقل خوفك منه ما أكثر تهاونك برؤيته ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
( خف من اللّه عزّ وجلّ كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) .
أهل اليقظة رأوا اللّه عزّ وجلّ بقلوبهم فاجتمع شتاتها ، انسبكت فصارت شيئا واحدا ، تتساقط الحجب بينهم وبينه ، محيت المباني وبقيت المعاني ، تقطعت الأوصال وانخلعت الأرباب ، فلم يبق لهم سوى الحق عزّ وجلّ ، لا كلام لهم ولا حركة ولا فرح بشيء حتى يصح لهم هذا ، فإذا صح فقد تم الأمر في حقهم ، أول ما خرجوا من رقّ الدنيا
هامش
( 1 ) سورة ص آية : 26 .