المجلس الثالث والخمسون [ الاختبار والابتلاء ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه عشية الثلاثاء في المدرسة سابع عشر شهر رمضان سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
لا بد من الاختبار والابتلاء ولا سيما للمدّعين ، لولا الابتلاء والاختبار لادعى الولاية خلق كثير ، ولهذا قال بعضهم : وكل البلاء بالولاية كي لا تدعي . ومن جملة علامة الوليّ صبره على أذية الخلق والتجاوز عنهم . الأولياء يتعامون عما يرون من الخلق ، ويتطارشون عما يسمعون منهم ، قد وهبوا لهم أعراضهم :
( حبّك للشيء يعمى ويصم ) .
أحبوا الحق عزّ وجلّ فعموا وصموا عن غيره ، يلقون الخلق بالكلام الطيب والرفق والمداراة ، وتارة يغضبون عليهم غيره للّه عزّ وجلّ وموافقة في غضبه ، هم أطباء قد علموا أن لكل مرض دواء ، الطبيب لا يداوي كل المرضى بدواء واحد ، هم من حيث قلوبهم ومعانيهم بين يدي الحق عزّ وجلّ كأصحاب الكهف .
أولئك كان جبريل عليه السلام يقلبهم ، وهؤلاء يد القدرة والرحمة واللطف تقلبهم ، يد المحبة تقلب قلوبهم وتنقلها من حال إلى حال ، دنياهم لطالبي الدنيا ، وأخراهم لطالبي الأخرى ، وربهم عزّ وجلّ لهم ، لا يبخلون بشيء إذا طلبت الدنيا منهم وهي عندهم بذلوها ، وإذا طلب منهم ثواب الآخرة بذلوه ، يعطون الدنيا للفقراء منهم ، ويعطون ثواب الآخرة للمقصرين في طلبها .
يتركون المحدث للمحدث ، ويتركون المحدث لهم ، ويهبون القشر لأن ما سوى الحق عزّ وجلّ قشر والطلب له والقرب منه هو اللبّ .
( عن بعضهم ) رحمة اللّه تعالى عليه أنه قال : لا يضحك في وجه الفاسق إلا العارف ، نعم يأمره وينهاه ويتحمّل أذاه ، ولا يقدر على هذا إلا العارفون باللّه عزّ وجلّ ، أما الزهاد والعباد والمريدون لا . كيف لا يرحمون العصاة وهم موضع الرحمة مقام التوبة والاعتذار ؟
العارف خلقه من أخلاق الحق عزّ وجلّ فهو يجتهد في تخليص العاصي من يد