تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
إذا صح توكل المؤمن وتوحيده عامله الحق عزّ وجلّ بما عامل به إبراهيم عليه السلام ، يعطيه معناه وحاله لا لقبه ، يطعمه من طعامه ويسقيه من شرابه ويسكنه في دهليز داره ، لا أنه يعطيه عين مقامه ، فحينئذ يصح نسبه منه من حيث المعنى لا من حيث الصورة . أما تستحي ، قد حملك حرصك على أنك تخدم الظلمة وتأكل الحرام ؟ إلى متى تأكل وتخدم ، الملوك الذين تخدمهم يزول ملكهم عن قريب وتتولى خدمة الحق عزّ وجلّ الذي لا يزول . كن عاقلا واقنع باليسير من الدنيا حتى يأتيك الكثير من الآخرة ، تناول الأقسام بيد زهدك ، ويكون تناولك على باب مولاك عزّ وجلّ بيد قدرته وفعله ومعه ، لا مع الدنيا وبيدها ، ولا على أبواب السلاطين في صحبة الطبع والهوى والشيطان والعوام . إذا تناولت الدنيا وقلبك على باب ربك عزّ وجلّ تكون الملائكة وأرواح الأنبياء حولك ، فشتان ما بين الموضعين والحالين . القوم عقل قالوا لا نأكل أقسامنا من الدنيا في الطريق ولا في بيوتنا ولا نأكل إلا عنده ، الزاهدون يأكلون في الجنة والعارفون يأكلون عنده وهم في الدنيا ، والمحبون لا يأكلون في الدنيا ولا في الآخرة ، طعامهم وشرابهم أنسهم وقربهم من ربهم عزّ وجلّ ونظرهم إليه ، باعوا الدنيا بالآخرة ، ثم باعوا الآخرة بقربهم من ربهم عزّ وجلّ ، ربّ الدنيا والآخرة . الصادقون في محبته باعوا الدنيا والآخرة بوجهه وأرادوه دون غيره ، فلما تمّ البيع والشراء غلب الكرم فردّ عليهم الدنيا والآخرة موهبة وأمرهم بتناولهما ، فأخذوهما بمجرد الأمر مع الشبع بل مع التخمة والغنى عنهما ، فعلوا ذلك موافقة للقدر وحسن أدب مع القدر ، قبلوا وأخذوا وهم يقولون :
وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ
« 1 » . تعلم أن قد رضينا بك دون غيرك ، ورضينا بالجوع والعطش والعرى والذل والمهانة ، وأن نكون على بابك مطروحين ، لما رضوا بذلك وقرّروا مع نفوسهم الطمأنينة عليه ، نظر إليهم نظر الرحمة فأعزّهم بعد ذلهم وأغناهم بعد فقرهم ومنحهم تقرّبهم من دنيا وآخرة .
هامش
( 1 ) سورة هود آية : 79 .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 224 | عبد القادر الجيلاني