على نقضه ، كن أبدا على قدم الطاعة والخوف والوجل والحذر إلى أن يأتيك الموت وتعبر من الدنيا إلى الآخرة على قدم السلامة ، فحينئذ تأمن من التغيير والتبديل .
يا من يزاحم بجهله ونفاقه وطلبه للدنيا ومزاحمته عليها ، يا آكل الحرام كيف تطمع في نور القلب وصفاء السرّ والنطق بالحكمة ؟ القوم كلامهم ضرورة ، ونومهم نوم الغرقى ، أكلهم أكل المرضى ، فهم على ذلك إلى أن يبلغ الكتاب أجله ؛ قد شبهوا بالملائكة الذين قال اللّه عزّ وجلّ في حقهم :
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 1 » .
شبهوا بهم وزادوا عليهم ، فالملائكة علماؤهم يحملون الغواشي بين أيديهم دنيا وآخرة .
( يا قوم ) إن لم يبلغ كلامي حالكم ، فأسمعوه الإيمان والتصديق ، كلامي وجه للقلوب فاسمعوه بقلوبكم وأسراركم وقد تروحت ظواهركم وبواطنكم وتنكسر شوكة نفوسكم وأهويتكم ونطفىء نيران شهواتكم ، أشرّ ما عليكم الشهوات التي تحبّب إليكم الدنيا وتبغض إليكم الفقر وتوقعكم في المهالك .
( عن بعضهم ) رحمة اللّه تعالى عليه أنه قال : حقيقة التقوى أنك لو جمعت ما في قلبك وتركته في طبق مكشوف وطفت به في السوق لم يكن فيه شيء يستحي منه . يا جاهل ما يكفيك أنك غير متق حتى إذا قيل لك اتق اللّه تغضب ، إذا قيل لك الحق تسمع وتتهاون ، ثم إذا أنكر عليك منكر تغتاظ عليه وتشفي غيظك منه .
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : من يتق اللّه لا يشفي غيظه . قال اللّه عزّ وجلّ في بعض كلامه :
( كنت أحبّكم لما أطعتموني فلمّا عصيتموني بغضتكم ) .
الحق عزّ وجلّ يحبكم لا لحاجة إليكم بل رحمة لكم ، فهو يحبك لك لا له ، يحبّ طاعتك له لأن نفعها عائد إليك ، عليك بالاشتغال والإقبال على من يحبك لك والإعراض عمن يحبك له . المؤمن نسي كل شيء وذكر مولاه عزّ وجلّ فحصل له قربه والحياة به ومعه صح توكله فلا جرم . كفاه المهام دنيا وآخرة .
هامش
( 1 ) سورة التحريم آية : 6 .