المجلس الثاني والخمسون [ النظر إلى الناس ]
وقال رضي اللّه عنه بكرة الجمعة في المدرسة ثالث شهر رمضان سنة خمس وأربعين وخمسمائة :
( يا قوم ) فرّوا إلى اللّه عزّ وجلّ ، اهربوا إليه من الخلق والدنيا ومما سواه في الجملة ، صيروا إليه بقلوبكم ، أما سمعتم قوله عزّ وجلّ :
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
« 1 » .
( يا غلام ) لا تنظر إلى الخلق بعين البقاء ، بل انظر إليهم بعين الفناء ، لا تنظر إليهم بعين الضرّ والنفع ، بل انظر إليهم بعين العجز والذل ؛ وحّد الحق عزّ وجلّ وتوكل عليه ولا تهذي فيما قد فرغ منه . الدنيا وجميع ما يظهر فيها قد فرغ منه ، والخلق وجميع ما يتقلبون فيه قد فرغ منه ، قلب المؤمن فارغ من هذا كله ، لا سيما إذا كان متجردا عن الأسباب فهو آكد بحاله .
وإن جاءته الأسباب والعيال فيعان عليهم ويعطي القوّة على مقاساتهم ، فقلبه في جميع الأحوال فارغ عما سوى ربه عزّ وجلّ ، لا يبرح في غيبته ولا يزال ، لا طلب منه التغيير والتبديل لأنه يعلم أن الذي قد قضى لا يتغير ، والقسم قد فرغ منه لا يزيد ولا ينقص ، فلا يطلب زيادة ولا نقصانا ، لا يطلب تأخير قسمه ولا الإسراع في مجيئه ، لأنه قد تحقق أن له وقتا مقدرا مخصوصا .
فهو وأمثاله هم العقل من الخلق ، والطالبون للزيادة والنقصان والإسراع والتأخير هم المجانين ، من رضي عن اللّه عزّ وجلّ وافقه في جميع أحواله وفي غيره أحبه وعرّفه إياه واستصحبه بقية عمره على جادة مراده يوفقه ثم يقربه ويقول له :
( أنا ربّك ) .
عند تحيره وتقطعه . كما قال لموسى عليه الصلاة والسلام :
( أنا ربّك ) .
قال لموسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ظاهرا ، ويقول لقلب هذا
هامش
( 1 ) سورة الشورى آية : 53 .