فينتهي عنه ، لا يتمنى شيئا ولا يحرص على شيء ، يرد التكوين إلى قلبه ، يسلم إليه تقليب الأعيان .
أين أنتم وهم يا خونة في العلم والعمل ، يا أعداء اللّه ورسوله ، يا قاطعي عباد اللّه عزّ وجلّ ، أنتم في ظلم ظاهر ونفاق ظاهر ، هذا النفاق إلى متى يا علماء ويا زهاد ؟ كم تنافقون الملوك والسلاطين حتى تأخذوا منهم حطام الدنيا وشهواتها ولذاتها ؟ أنتم وأكثر الملوك في هذا الزمان ظلمة خونة في ما للّه عزّ وجلّ في عباده .
اللهم اكسر شوكة المنافقين واخذلهم أو تب عليهم ، واقمع الظلمة وطهر الأرض منهم أو أصلحهم آمين .
وقال رضي اللّه عنه : يا ملوك ، يا مماليك ، يا ظالمون ويا عادلون ، يا منافقون ويا مخلصون ، الدنيا إلى أمد والآخرة إلى أبد ، فارق من سوى الحق عزّ وجلّ بمجاهدتك وزهدك ، نظّف قلبك من غير ربك عزّ وجلّ ، احذر أن يصطادك شيء أو يحبسك شيء أو يوقفك شيء عن مولاك عزّ وجلّ ، فإذا جاءت الأقسام تناولها بيد الأمر ، بيد الموافقة على قدم الزهد فيها ، لا بيد الاختيار لها والحبّ لها .
الزهد إذا دام عمل في البدن ، فيورث في القلب حزنا وفي البنية نحولا ، فإذا تحقق هذا الحزن والنحول جاء الفرج من الحق عزّ وجلّ بالفرح به والمعرفة له فيذهب الحزن والهم .
المؤمن منقطع القلب عن الخلق وعن الأهل والمال والولد ، وإنما يتشاغل بهم وقلبه منتظر لمجيء رسول الملك وصل باب البلد وقد ودّع أهله وهو قاعد بينهم ، المؤمن أبدا مودع ، هو بين الخلق وقد ودعهم ، ذره مع الخلق وحبله مع الخالق .
إذا وقر التوحيد في القلب صح العمل من حيث الظاهر ، لأنه يستوي ظاهرك وباطنك ، غناك وفقرك ، إقبال الخلق وإدبارهم ، ذمهم لك ومدحهم ، كيف لا تخرجهما وقد ضاقت مضغتك عنهما بما رحبت وامتلأ قلبك باللّه عزّ وجلّ وبذكره والشوق إليه ؟ فحينئذ :
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة الكهف آية : 44 .