خلوت والخلق في قلبك فإنك قاعد وحدك بلا حضور ، الأنس باللّه عزّ وجلّ ، بل النفس والشيطان والهوى قرناؤك إذا كان قلبك مستأنسا باللّه عزّ وجلّ ، فأنت خال عن الخلق وإن كنت بين أهلك وعشيرتك إذا تمكن الأنس في قلبك هدم حيطان وجودك وبصر بصر بصيرتك فتبصر فضله وفعله ، فترضى به دون غيره ، من كان في حالة من الأحوال مع ملازمة الشرع ولم يتمنّ ما فوقها ولا ما تحتها ولا زوالها ولا بقاءها فقد حصل له شرط الرضا والموافقة والعبودية . ويلك لا تكذب ، تدعي الرضا وتغيرك بقة ولقمة وكلمة وكسر عرض .
لا تكذب ما أسمع كذبك ولا أعمل به ولا أصدقك عليه ، آحاد أفراد من الخلق يرحى إلى قلوبهم ، يقذف إليها كلمات يخصها ، يعرفون الخير ويوقفون عليه ، كيف لا يكون كذلك وهم على متابعة الرسول في أقواله وأفعاله ؟ وهو عليه الصلاة والسلام أوحى إليه ظاهرا وهو يوحى إلي قلوبهم باطنا لأنهم ورّاثه وأتباعه في جميع ما أمرهم به .
إن أردت أن تصح لك هذه المتابعة فأكثر من ذكر الموت ، فإن ذكره يعينك على نفسك وهواك وشيطانك وانعزالك عن دنياك ، من لم يتعظ بالموت فما إلى وعظه سبيل ، قال النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( كفى بالموت واعظا ) .
قسمك يأتيك إن زهدت أو رغبت ، فإذا زهدت وصل إليك قسمك وأنت عزيز ، وإذا رغبت وصل إليك وأنت غير عزيز ، المنافق يستحي من اللّه عزّ وجلّ وقت حضور الخلق عنده ويتواقح عليه وقت خلوته .
( ويلك ) لو صح إيمانك به واعتقادك أنه ناظر إليك قريب منك رقيب عليك لاستحييت منه ، إني أقول لكم الحق ولا أخاف منكم ولا أرجوكم ، أنتم وأهل الأرض عندي كالبق وكالذرّ ، لأني أرى الضرّ والنفع من اللّه عزّ وجلّ لا منكم . المماليك والملوك عندي سواء ، أنكروا على أنفسكم وعلى غيركم بالشرع لا بالهوى والنفس والطبع ، ما سكت الشرع عنه فوافقوه في سكوته ، وما نطق به فوافقوه في نطقه .
( يا غلام ) لا تنكر على غيرك بنفسك وهواك ، بل أنكر عليه بإيمانك . الإيمان هو المنكر ، واليقين هو المزيل ، والربّ عزّ وجلّ هو الناصر ينصرك ويباهي بك .
قال اللّه عزّ وجلّ :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 217
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢١٧