إليك ، تظهر أنك تعمل للآخرة وكل عملك وقصدك للدنيا ، عن النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم أنه قال :
( إذا تزيّن العبد بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السّموات باسمه ونسبه ) .
إني أعرفكم يا منافقون من طريق الحكم والعلم ، ولكن أستركم بستر اللّه عزّ وجلّ .
( ويحك ) ما تستحي ؟ جوارحك ما طهرت من المعاصي والنجاسات الظاهرة ، تدّعي طهارة الباطن ، طهارة القلب ما صحت فيك السرّ ؟ ما تأدبت مع المخلوق وتدّعي الأدب مع الخالق . المعلم ما رضي عنك ولا تأدبت معه وقبلت منه أوامره تقعد في الدست وتتصدر ، لا كلام حتى يقوم توحيدك على رجله ويثبت بين يدي الحق عزّ وجلّ ، وتخرج من بيضة وجودك وتقعد في حجر اللطف ، وتكون تحت جناح الأنس به ، وتلقط حبّ الإخلاص وتشرب ماء المشاهدة ، ثم تبقي على ذلك إلى أن تصير ديكا ، فحينئذ تصير حافظا للدجاج مؤثرا لهم بالحب ، مؤذنا منبها للناس في الليل والنهار ، تنبههم إلى طاعة ربهم عزّ وجلّ .
يا جاهل اترك الدفتر من يدك وتعال اقعد ههنا بين يدي على رأسك . العلم يؤخذ من أفواه الرجال لا من الدفاتر ، يؤخذ من الحال لا من المقال ، يؤخذ من الفانين عنهم وعن الخلق الباقين بالحق عزّ وجلّ ، الدائرة على فنائك عنك وعنهم ثم وجودك به ، مت عن غيره ثم أحي به وله . اصحب خدم الحق عزّ وجلّ الذين لا يبرحون على بابه ، شغلهم الامتثال لأمره والانتهاء عن نهيه والموافقة لقدره ، يدورون مع إرادته فيهم وفعله بهم ، ليس عندهم منازعة له فيهم ولا في غيرهم ، لا يتعرضون عليه في القليل ولا في الكثير لا في العالي ولا في الداني .
لا تشتغل عن خدمة الحق عزّ وجلّ بخدمة نفسك بالحرص على بلوغ أغراضها ، أولياء اللّه عزّ وجلّ في تكلف الطلب من الخلق من غير حاجة إليهم ، ولكن يليهم بذلك رحمة للخلق ، لا يطلب منهم بنفسه ، نفسه قد اطمأنت ولم يبق لها إرادة وشهوة فيما يلي الدنيا ، تحسب أن نفسه كنفسك الجاهلة التي قد أوقفتك في خدمتها وتصرّفك في إرادتها وشهواتها .
لو كان لك عقل لانصرفت من خدمتها واشتغلت بخدمة ربها عزّ وجلّ ، عدوة لك ، الصواب لك السكوت عن جوابها ، وأن تضرب بكلامها الحائط ، اسمع منها كما تسمع
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 214
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢١٤