تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
من مجنون قد زال عقله ، لا تلتفت إلى قولها وطلبها للشهوات والذات والترّهات ، هلاكك وهلاكها في قبولك منها ، وصلاحك وصلاحها في مخالفتها . النفس إذا كانت طائعة للّه عزّ وجلّ أتاها رزقها رغدا من كل مكان ، فإذا عصت وتجبرت قطع عنها الأسباب وسلط عليها الأذايا فهلكت ، وهي خاسرة للدنيا والآخرة . الطائعة القانعة صاحبها مخدوم ، أينما توجه لقط قسمه من الرضا به ، يؤدي الفرض الذي عليه مع طيبة القلب بلا كلفة ، فارغ القلب مما سوى اللّه عزّ وجلّ ، ساكن الجوارح عن التعب في تحصيل الدنيا وفضولها . يا منعما عليه اشكر النعم وإلا سلبت من يدك ، قصّ جناح النعم بالشكر وإلا طارت من عندك . الميت من مات عن ربه عزّ وجلّ وإن كان حيا في الدنيا ، إيش تنفعه حياته وهو يصرفها في تحصيل شهواته ولذاته وترهاته ؟ فهو ميت معنى لا صورة . اللهم أحينا بك وأمتنا عن غيرك ، يا شيخا في السن صبيا في الطبع ، إلى متى تعدو لصبوة طبعك خلف شكاسة الدنيا ؟ قد جعلتها لك همك ؛ أما تعلم أن همك ما أهمك ، وأنك عبد من زمامك بيده . إن كان زمامك بيد الدنيا فأنت عبد لها ، وإن كان زمامك بيد الأخرى فأنت عبد لها ، وإن كان زمامك بيد الحق عزّ وجلّ فأنت عبد له وإن كان زمامك بيد نفسك فأنت عبد نفسك ، وإن كان زمامك بيد هواك فأنت عبد هواك ، وإن كان زمامك بيد الخلق فأنت عبد الخلق . فانظر إلى من تسلم زمامك ، الأثر والأغلب منكم من يريد الدنيا ، والقليل منكم من يريد الآخرة ، والنادر منكم من يريد وجه ربّ الدنيا والآخرة . اصحبهم بحسن الأدب ولا تعرضهم ولا تنازعهم ولا تناقصهم فتنقص ، لا تسيء الأدب عليهم فتهلك . كونوا عقلاء ، أنتم تعادون الحق عزّ وجلّ بأعمالكم ، لا تساووا عنده جناح بعوضة إلا أن تخلصوا له في خلواتكم وجميع أحوالكم ، الكنز الذي لا يفنى هو الصدق والإخلاص والخوف من اللّه عزّ وجلّ والرجاء له والرجوع إليه في جميع الأحوال . عليك بالإيمان فإنه يلحقك ، إذا رأيت واحدا منهم فاخفض له جناحك وسلم إليه حاله ولا تنازعه فيه ، اسكت عنه ولا تؤذه بسوء أدبك والسكوت عما لا تعلم ، العلم والتسليم فيما لا تعلم إسلام . يا ضعيف اليقين لا دنيا عندك ولا آخرة ، وذلك بسوء
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 215 | عبد القادر الجيلاني