المجلس الحادي والخمسون [ عدم الركون إلى الدنيا ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه في عشرين من شعبان من السنة :
الدنيا كلها حكمة ، وعمل الآخرة كلها قدرة ، فهذه مبنية على الحكمة وتلك مبنية على القدرة ، فلا تترك العمل في دار الحكمة ولا تعجز قدرته في دار القدرة ، عمل في دار الحكمة بحكمته ولا تتكل على قدرته ، لا تجعل القدر عذرا لنفسك فإنها تحتج به وتترك العمل ، العذر بالقدر حجة الكسالى ، إنما يكون العذر بالقدر في غير الأوامر والنواهي .
وقال رضي اللّه تعالى عنه بعد كلام : المؤمن لا يسكن إلى هذه الدنيا ولا إلى ما فيها ، يأخذ قسمه منها ويتنحى بقلبه إلى الحق عزّ وجلّ ، يقف هناك حتى ينحي عنه وهج الدنيا ، ويؤذن لقلبه بالدخول عليه سفارة سرّه .
يخرج السرّ إلى القلب والقلب إلى النفس المطمئنة والجوارح الطائعة ، فبينما هو كذلك إذ أغنى عياله عنه وحيل بينه وبينهم ، يكفيه شرور الخلق ويطيعهم له ، ويحيل بين قلبه وقلوبهم .
ويبقى وحده مع ربه عزّ وجلّ ، كأن الخلق لم يخلقوا بالإضافة إليه ، كأن لا خلق لربه عزّ وجلّ سواه ، يبقى ربه عزّ وجلّ فاعلا وهو مفعول فيه ، يبقى مطلوبه وهو طالبه ، يبقى أصله وهو فرعه ، لا يعرف غيره ولا يرى غيره ، يطويه عن الخلق :
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
« 1 » .
لهم يوجده بينهم ، لمصالحهم ولهدايتهم ، ويصبر على أذاهم لمرضاة الحق عزّ وجلّ . القوم حرّاس القلوب والأسرار ، قائمون مع الحق عزّ وجلّ لا مع غيره ، عاملون له لا لغيره .
يا منافق ما عندك من هؤلاء القوم خبر ولا من الإيمان خبر ولا من الأنس باللّه عزّ وجلّ خبر ، عن قريب تموت وتندم بعد الموت ، قد قنعت بفصاحة اللسان مع عجمة
هامش
( 1 ) سورة عبس آية : 22 .