تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وجلّ فحينئذ ترى صدقا ، وقد رأيت هناك الصدق يحملك ويقدمك ويوقظك ، والكذب يردّك وينوّمك . كن مع الصادقين حتى تعامل بما عوملوا به ، أصدق في أقوالك وأفعالك واصبر في جميع أحوالك ، الصدق هو التوحيد والإخلاص والتوكل على اللّه عزّ وجلّ ، حقيقة التوكل قطع السباب والأرباب والخروج من حولك وقوّتك من حيث قلبك وسرّك إن أردت الاتصال به فاقطع كل موصول غيره ، وأعرض عنك وعنهم ، أعرض عن المحدث حتى تصل إلى المحدث ما دمت معك ومعهم لا تفلح ، قرب الحق عزّ وجلّ لا يحتمل الزحمة ، من كل ألف ألف منكم إلى انقطاع النفس واحد يعقل ما أقول ويعمل به ، وباقيكم يدخلون في عماره ويتبركون بحضورهم معه ، إني أرجو لكم الخير في الدنيا والآخرة . الدنيا سجن المؤمن ، فإذا نسي سجنه جاءه الفرج . المؤمنون في سجن ، والعارفون في شكر ، فهم غائبون عن السجن ، قد سقاهم ربهم شراب الشوق إليه ، شراب الأنس به ، شراب الطلب له ، شراب الغفلة عن الخلق واليقظة به ، سقاهم هذه الأشربة فتبنجور عن الخلق وفاقوا به ، ومعه غابوا عن السجن والمسجونين ، قد عجل لهم في الدنيا نارهم وجنتهم ، المنازعة نارهم والرضا والقضاء جنتهم ، الغفلة نارهم واليقظة جنتهم القيامة في حقّ العوام المحاسبة ، وفي حق الخواص معاتبة ، كيف لا يكونون كذلك وقد أقاموا القيامة على أنفسهم ؟ وهم في الدنيا بكوا قبل الضرب ، فنفعهم البكاء وقت حضور الضرب . رؤى سفيان الثوري رحمة اللّه عليه في المنام فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أوقفنى بين يديه وقال لي : يا سفيان أما علمت أنى غفور رحيم ؟ بكيت ذلك البكاء كله من خوفي ، أما استحييت منى ؟ اهجر طبعك وهواك وشيطانك ولا تركن إليهم . إذا ثبت هذا فاجعل بينك وبين أقران السوء عداوة ، ولا تصادقهم حتى يوافقوك في حالك . التوبة قلب دولة ، من تاب ولم يغير ما كان عليه قبل التوبة فقد كذب في توبته ، إذا غيرت غير عليك ، قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » . لا تظلم أحدا في الدنيا فإنك تؤخذ به في الآخرة ، اعدل في الدنيا حتى لا يعدل
هامش
( 1 ) سورة الرعد آية : 11 .