إلا للّه عزّ وجلّ ، إني أراك كلك خطأ لأنك مع النفس والهوى والدنيا والشهوات واللذات ، تجرّدك بقة ، تسخطك لقمة ، ترضى لرضا نفسك وتسخط لسخطها ، فأنت عبدك ، زمامك بيدها .
أين أنت من عباد اللّه عزّ وجلّ الذين تحققت لهم العبودية له والرضا بأفعاله ؟
الآفات تنزل عليهم وهم قعود كالجبال الرواسي ، تنزل إليهم وعليهم وهم ينظرون إليها بعين الصبر والموافقة ، تركوا الجساد للبلايا ، وطاروا إلى الحق عزّ وجلّ بقلوبهم ، فهم خيم بلا رجال ، أقفاص بلا طيور ، أرواحهم عنده وأجسادهم بين يديه . يا معرضين عن ربهم عزّ وجلّ ، يا مستوحشين منه ، تقدموا إلىّ حتى أصلح بينكم وبينه ، أسأله فيكم ، آخذ لكم الأمن منه ، أتضرّع بين يديه ، حتى يهب لكم حقوقه التي له عليكم .
اللهم ردّنا إليك ، وأوقفنا على بابك ، اجعلنا لك وفيك ومعك ، أرضنا بخدمتك ، اجعل أخذنا وعطاءنا لك ، طهّر بواطننا عن غيرك ، لا ترنا حيث نهيتنا ، لا تفقدنا حيث أمرتنا ، لا تجعل ظواهرنا في معاصيك وبواطننا في الشرك بك ، خذنا من نفوسنا إليك ، اجعل كلنا لك ، أغنياء بك عن غيرك ، نبهنا من الغفلة عنك ، أردنا بطاعتك ومناجاتك ، لذذ قلوبنا وأسرارنا بقربك ، أحل بيننا وبين معاصيك كما أحلت بين السماء والأرض ، وقرّبنا إلى طاعتك كما قربت بين سواد العين وبياضها . أحل بيننا وبين ما تكره كما أحلت بين يوسف وزليخا في معصيتك .
وقال رضى اللّه تعالى عنه : ذوّبوا نفوسكم وأهويتكم وطباعكم بالصوم الدائم ، والصلاة الدائمة والصبر الدائم ، إذا صح للعبد ذوبان نفسه وهواه وطبعه بقي هو ومولاه بلا زحمة ، بقي قلبا وسرا ومولى ، سعة بلا ضيق ، عافية بلا سقم ، كونوا عقلاء وتعلموا واعلموا وأخلصوا .
( يا غلام ) تعلم من الخلق ثم من الخالق ، قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( من عمل بما يعلم أورثه اللّه علم ما لم يعلم ) .
لابد من التعلم من الخلق أولا وهو الحكم ، ثم من الخالق ثانيا وهو العلم اللدني ، علم يخص القلوب ، سرّ يخص الأسرار ، كيف تقدر تتعلم شيئا بلا أستاذ ، أنت في دار الحكمة ، اطلب العلم فإن طلبه فريضة ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 202
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص٢٠٢