تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
وخوفك في الآخرة على قدر أمنك في الدنيا ، ولكنكم غائصون في بحر الدنيا ساكنون في قعر بئر الغفلة ، فلا جرم عيشكم كعيش البهائم ، لا تعرفون سوى الأكل والشرب والنكاح والنوم ، أحوالكم ظاهرة عند أرباب القلوب ، الحرص على الدنيا وجمعها وطلب الأرزاق قد حجبكم عن طريق الحق عزّ وجلّ وعن بابه ، يا من قد فضحه حرصه ، لو اجتمعت أنت وأهل الأرض على أن تجلب لك شيئا لم يقسم لك لم تقدر ، فدع عنك الحرص على طلب ما قد قسم لك وطلب ما لم يقسم لك . كيف يحسن لعاقل أن يضيع زمانه فيما قد فرغ منه ، أخرج الخلق من قلبك ولا تراهم في الضرّ والنفع والعطاء والمنع ، في الحمد والذم ، في الإكرام والإهانة ، في الإقبال والإدبار ، واعتقد أن الضرّ والنفع من اللّه عزّ وجلّ . وأن الخير والشر بيده ، يجريهما على أيدي الخلق ، فإذا تحققت صرت سفيرا بين الخلق والخالق آخذ بأيديهم إلى بابه ، تراهم كأنهم معدومون بالإضافة إليك ، ترى العصاة لربهم عزّ وجلّ بعين الجنون والجهل فتداريهم وتطبهم وتصبر على أذاهم وجهلهم . الطائعون لربهم عزّ وجلّ هم العلماء العقّل ، والعاصون لربهم عزّ وجلّ هم الجهال المجانين ، العاصي جهل ربه عزّ وجلّ فعصاه وتابع شيطانه ووافقه ، فلو لم يجهل لما عصى ، لو عرف نفسه وعلم أنها تأمره بالسوء لما وافقها ، كم أحذرك من إبليس وأعوانه وأنت تصحبه وتقبل منه أعوانه : النفس والدنيا والهوى والطبع وأقران السوء ، احذر الجميع فإن كلهم أعداؤك ، وليس لك محبّ سوى اللّه عزّ وجلّ فإنه يريدك لك وغيره يريدك له . فإذا فقدت نفسك في حال خلوتك وطلبتها مع الطالبين حينئذ صارت خلوتك أنسا بالحق عزّ وجلّ ، إذا تركت نفسك مع الدنيا وقلبك مع الأخرى وسرّك مع المولى حينئذ صارت خلوتك أنسا باللّه ، وأما مع وجودها ووجود غيرها من النفس لا يكون لك خلوة ، الخلوة معه إنما تكون مع الوحدة من غيره ، إنما تجده بعد بغض غيره . متى تصفو حتى ترى الصفاء وأهله ؟ متى تصدق حتى ترى الصدق وأهله ؟ متى تخلص حتى ترى باب الحق عزّ وجلّ وأهله ؟ إذا حققت حالك رأيت رجال الحق عزّ وجلّ ، إذا رأيت باب الملك رأيت خدمه وقوفا هناك ، باب الملك مادسته ، مالمحته ، كيف ترى غلمانه ؟ لا كلام حتى ترى الباب فحينئذ ترى الغلمان ، لا كلام حتى ترى اللّه عزّ