( اطلبوا العلم ولو بالصّين )
( يا غلام ) اصحب من يعاونك على جهاد نفسك لا من يعاونها عليك ، إذا صحبت شيخا جاهلا منافقا صاحب طبع وهوى كان معاونا لها عليك . الشيوخ لا يصحبون للدنيا بل يصحبون للآخرة ، إذا كان الشيخ صاحب طبع وهوى صحب للدنيا ، وإذا كان صاحب قلب صحب للآخرة ، وإذا كان صاحب سرّ صحب للمولى .
يا من تمشيخ وتصدّر وزاحم الشيوخ المخلصين في أحوالهم ، ما دمت تطلب الدنيا بنفسك وهواك فأنت صبىّ ، ذلك طبع محض النادر من كلّ نادر ، نفس تعرض عن الدنيا وتتركها اختيارا لا اضطرارا ، أو كون النفس تطمئن وتصير قلبا نادر من كل نادر ، بعيد من كل بعيد ، إنما يصح في حقها إذا عميت عن الدنيا والآخرة وما سوى المولى .
كلما قرب العبد من ربه عزّ وجلّ كثر خطره واشتد خوفه ، ولهذا أخطر الناس من الملك وزيره لأنه أقربهم منه ، ما يصل اليه المؤمن إلا بالإخلاص فحينئذ هو على خطر ، القوم على خطر عظيم ، لا يسكن خوفهم حتى يلقوا ربهم عزّ وجلّ ، من عرف اللّه عزّ وجلّ اشتدّ خوفه ، ولهذا قال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم :
( أنا أعرفكم باللّه وأشدّكم له خوفا ) .
الحق عزّ وجلّ يختبر أولياءه ليصفيهم ، فهم أبدا على قدم الخوف من التغيير والتبديل ، يخافون وإن كان حالهم الأمن ، ينزعجون وإن كانوا قد أعطوا السكون يناقشون أنفسهم على ذرّة وخردلة ولفتة وأدنى غفلة ، كلما أسكنهم طاروا ، كلما أغناهم افتقروا ، كلما أمنهم خافوا ، كلما أعطاهم امتنعوا ، كلما أضحكهم بكوا ، كلما فرحهم حزنوا ، يخافون من تقلب الأغيار وسوء العاقبة ، قد علموا أن ربهم عزّ وجلّ :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » .
وأنت يا غافل ، تبارز الحق عزّ وجلّ بالمعصية والمخالفة ثم تأمنه ، عن قريب ينقلب أمنك خوفا ، سعتك ضيقا ، عافيتك مرضا ، عزّك ذلا ، رفعك وضعا ، غناك فقرا .
اعلم أن أمنك يوم القيامة من عذاب اللّه عزّ وجلّ على قدر خوفك منه في الدنيا ،
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء آية : 23 .