المجلس الخمسون [ وجوب التفرغ من هموم الدنيا ]
وقال رضي اللّه تعالى عنه بكرة الجمعة في المدرسة ثامن عشر شعبان سنة خمس وأربعين وخمسمائة بعد كلام :
اشتغل بإصلاحك وصلاحك ، ودع عنك القال والقيل وهوس الدنيا ، تفرّغ من همومها ما استطعت ، كان النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقول :
( تفرّغوا من هموم الدّنيا ما استطعتم ) .
يا جاهلا بالدنيا لو عرفتها ما طلبتها ، إن جاءت إليك أتعبتك ، وإن تولت حسرتك ، لو عرفت اللّه عزّ وجلّ لعرفت به غيره ، ولكنك جاهل به وبرسله وأنبيائه وأوليائه .
( ويحك ) أما تتعظ بما جرى على من تقدم من الخلق من هذه الدنيا ؟ اطلب الخلاص منها ، اخلع لباسها واهرب منها ، اخلع لباس النفس وسر إلى باب الحق عزّ وجلّ .
وإذا انخلعت من نفسك فقد انخلعت مما سوى اللّه عزّ وجلّ ، وإن كان ما سواه تابعا للنفس فنحّ عن نفسك وقد رأيت ربك عزّ وجلّ ، سلم إليه وقد سلمت جاهد فيه وقد اهتديت ، واشكره وقد زادك ، سلم إياك والخلق إليه ، لا تعترض عليه فيك ولا في غيرك ، القوم لا يريدون مع اللّه عزّ وجلّ إرادة ، ولا يختارون معه اختيارا ، لا يحرصون على طلب أقسامهم ، ولا ينظرون إلى أقسام غيرهم .
إن أردت صحبة القوم دنيا وآخرة فوافقه في أقواله وأفعاله وإرادته ، إني أراك قد عكست الأمر وقد جعلت مخالفته ومنازعته دأبك بالليل والنهار ، يقول لك افعل ولا تفعل . كأنه هو العبد وأنت المعبود ، سبحانه ما أحلمه ، لولا حلمه لرأيت ضد ما عندك ، إن أردت الفلاح فعليك بالسكون بين يديه ، سكون الظاهر والباطن سوء الأدب عندي ، وإنما أعدّه رخصة . أدّ الأمر وانته عن النهي ووافق القدر وسكن ظاهرك وباطنك عن الكلام بين يديه وقد رأيت الخير دنيا وآخرة .
لا تسأل الخلق شيئا ، فإنهم عجزة فقراء لا يملكون لأنفسهم ولا غيرهم ضرّا ولا