إلا بالحق من الحق ، ما أنطق إلا بصفة طريق الحق عزّ وجلّ أصفها حتى تسلكوها ، ما أقنع منكم بأن تقولوا لي أحسنت ، بل بألسنة قلوبكم أحسنت ، واعملوا بما أقول وأخلصوا في أعمالكم ، حتى إذا رأيت ذلك منكم قلت لكم أحسنتم ، متى تصل على نفسك وعلى دنياك وأخراك ، وعلى الخلق وما سوى الحق عزّ وجلّ في الجملة ؟ الخلق حجاب نفسك ، ونفسك حجاب قلبك ، وقلبك حجاب سرّك ، فما دمت مع الخلق لا ترى نفسك ، فإن تركتهم رأيتها ، تراها عدوّة لربك عزّ وجلّ ولك ، فلا تزال تحاربها حتى تطمئن إلى ربها عزّ وجلّ وتطمئن إلى وعده وتخاف من وعيده ، تمتثل أمره وتنتهي عن نهيه وتوافقه في قدره ، فحينئذ تزول الحجب عن القلب والسرّ ، يريان ما لم يرياه من قبل ، يعرفان ربهما عزّ وجلّ ويلجآن به ولا يقفان مع شيء سواه .
العارف لا يقف مع شيء ، بل يقف مع خالق كل شيء لا نوم له وسنة له ، لا قيد له عن ربه عزّ وجلّ ، والمحبوب لا وجود له ، هو في وادي القدر والعلم بربه عزّ وجلّ ، أمواج بحر العلم ترفعه وتحطه ، ترفعه إلى الجوّ ثم تحطه إلى التخوم ، وهو غائب مبهوت لا يعقل ، أصمّ أبكم لا يسمع من غير الحق عزّ وجلّ ولا يرى غيره ، وهو ميت بين يديه ، فإذا شاء أنشره ، إذا أراد أوجده ، هم أبدا في سرادق القرب ، فإذا جاءت نوبة الحكم كانوا في صحن الحكم ، إذا جاءت نوبة الخروج كانوا على الباب ، يأخذون القصص من الخلق ، يصيرون وسائط بينهم وبين الحق عزّ وجلّ ، هذه أحوالهم ولكن من الحال ما يكتم .
( يا قوم ) إيش هذا ؟ أنتم في هوس ، أنتم في ضياع ، الزمان بلا شيء ، اصبروا مع اللّه عزّ وجلّ وقد رأيتم الخير في الدنيا والآخرة ، إن أردت تحقيق الإسلام فعليك بالاستسلام ، وإن أردت القرب من اللّه عزّ وجلّ فعليك بالاستطراح بين يدي قدره وفعله ، بلا لم ولا كيف ، فبذلك تقرب منه . لا تشأ شيئا فإنه ما يصح ، قال عزّ وجلّ :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » .
إذا كان لا يتم لك ما تشاء فلا تشأ ، لا تنازعه في أفعاله ، إذا أخذ عرضك ومالك وعافيتك وولدك وكسر أعراضك فتبسم في وجه قدره وإرادته وتبديله ، كن على ذلك إن أردت قربه ، إن أردت الصفاء معه ، إن أردت وصول قلبك إليه وأنت في الدنيا ، اكتم حزنك وأظهر بشرك ، خالق بخلق حسن .
هامش
( 1 ) سورة الإنسان آية : 30 .