تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
( من لم يرض بقضائي ، ولم يصبر على بلائي فليتخذ إلها سواي ) . اقنعوا به دون غيره ، والمقدر كائن لكم وعليكم ، حققوا الإسلام حتى تصلوا إلى الإيمان ، ثم حققوا الإيمان حتى تصلوا إلى الإيقان ، فحينئذا ترون ما لم تروه من قبل اليقين ، يريكم الأشباء كما هي على صورتها ، يصير الخبر معاينة ، وهو يوقف القلب على الحق عزّ وجلّ ويريه الأشياء منه . إذا وقف القلب على باب الحق عزّ وجلّ خرجت إليه يد الكرامة فتكرّمت عليه ، فيصير كريما مؤثرا يتكرّم على الخلق ولا يبخل عليهم بشيء ، القلب الصحيح الذي صلح للّه عزّ وجلّ كريم ، والسرّ الذي قد صفا عن الكدر كريم ، وكيف لا يكونان كذلك وقد تكرم عليهما أكرم الأكرمين ؟ ( يا قوم ) عليكم بالكرم والإيثار في طاعة الحق عزّ وجلّ لا في معصيته ، كل نعمة تصرف في المعصية هي معرّضة للزوال ، تشاغلوا بالاكتساب مع ملازمة الطاعة إلى أن يأتيكم القرب منه فتجتمع همومكم به ومعه ، لا بغيره ولا مع غيره . فحينئذ يصير أكلكم من طبق فضله وكرمه من حيث لا تدرون ولا تعقلون . النفس حجابهم عنه . فإذا زالت من الوسط زال الحجاب . ولهذا قال أبو يزيد البسطامي رحمة اللّه عليه : رأيت ربي في المنام فقلت له : كيف الطريق إليك يا بارى خدا ؟ فقال دع نفسك وتعال ، فانسلخت منها كما تنسلخ الحية من جلدها ، إنما عين الحق عزّ وجلّ على النفس دون غيرها ، وأمره بتركها لأن الدنيا وما فيها وما سوى الحق عزّ وجلّ في الجملة تبع للنفس ، الدنيا لها وهي محبوبتها ، والآخرة لها أيضا ، فإن اللّه عزّ وجلّ قال :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
« 1 » . وقال رضى اللّه عنه بعد كلام : هم بالنهار في مصالح الخلق والعيال ، وفي الليل في خدمة ربهم عزّ وجلّ والخلوة معه ، هكذا الملوك طول النهار مع الغلمان والحواشي وقضاء حوائج الناس ، فإذا جاء الليل خلوا بوزرائهم وخواصهم . اسمعوا رحمكم اللّه تعالى ما أقول بأسماع قلوبكم واحفظوه واعملوا به ، ما أنطق
هامش
( 1 ) سورة الزخرف آية : 71 .