تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨

المجلس التاسع والأربعون [ إعطاء السائل ]

وقال رضي اللّه عنه في المدرسة يوم الجمعة حادي عشر شعبان سنة خمس وأربعين وخمسمائة : حكى عن عبد اللّه بن المبارك رحمة اللّه تعالى عليه أنه جاء إليه في بعض الأيام سائل يسأله شيئا من الطعام ، فلم يحضر عنده شيء سوى عشر بيضات ، فأمر جاريته بأن تعطيه إياها ، فأعطته تسعة وخبأت واحده ، فلما كان وقت غروب الشمس جاء رجل ودق الباب وقال : خذوا منى هذه السلة ، فخرج عليه عبد اللّه رضى اللّه تعالى عنه وأخذها منه ، فرأى فيها بيضا ، فعده فإذا هو تسعون بيضة ، فقال لجاريته : أين البيضة الأخرى ؟ كم أعطيت السائل ؟ فقالت : أعطيته تسعة وتركت واحده نفطر عليها ، فقال لها غرمتينا عشرة . هكذا كانوا في معاملتهم لربهم عزّ وجل ، كانوا يؤمنون ويصدّقون بما ورد في الكتاب والسنة ، كانوا عند القرآن لا يخالفونه في حركاتهم وسكناتهم وأخذهم وعطائهم ، عاملوا ربهم عزّ وجلّ فربحوا في معاملته فلزموها ، رأوا بابه مفتوحا فدخلوه ورأوا باب غيره مغلوقا فهجروه ، ووافقوه في غيره ولم يوافقوا غيره فيه ، وافقوه في بغضه لمن يبغض ، وفي حبه لمن يحب . ولهذا قال بعضهم : وافق اللّه عزّ وجلّ في الخلق ولا توافق الخلق في اللّه عزّ وجلّ ، انكسر من انكسر وانجبر من انجبر . القوم لا يزالون في جانب الحق عزّ وجلّ ينصرونه على نفوسهم وعلى غيره ، لا تأخذهم فيه لومة لائم ، لا يخافون أحدا في حدوده وإقامة شرعه . ( يا غلام ) دع عنك الهوس الذي أنت فيه وعليه ، واتبع القوم في أقوالهم وأفعالهم ، لا تطلب الوصول إلى ما وصلوا إليه بمجرد الدعوى الكاذبة ، اصبر على البلاء كما صبروا عليه حتى تصل إلى ما وصلوا إليه ، لولا البلاء لكان الناس كلهم عبادا زهادا ، ولكنهم تجيئهم البلايا فلا يصبرون عليها فتحجبهم عن باب ربهم عزّ وجلّ . من لا صبر له لا عطاء له ، إذا عدمت الصبر والرضا كان ذلك سببا لخروجك من عبوديتك للحق عزّ وجلّ ، قال اللّه تعالى في بعض كتبه :
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 198 | عبد القادر الجيلاني