ويسقيه ، سلم ظاهرك وباطنك اليه ولا تدبر ، بل تكون هو بلا أنت ، كن أبدا زوكاريا لأن الدنيا دار العمل والآخرة ، دار الأجرة ، دار العطاء ، دار الموهبة ، هذا هو الأغلب في حق الصالحين .
وأما النادر منهم من يخرجه من العمل في الدنيا ويمنّ عليه ويرحمه ويعجل له الراحة قبل مجىء الآخرة ، يقتصر منه بأداء الفرائض ويريحه من النوافل ، فإن الفرض لا يسقط في سائر الأحوال والمقامات ، وهذا في حق آحاد أفراد من عباد اللّه عز وجل وهو نادر من كل نادر .
( يا غلام ) ازهد وأعرض فتستريح بالعاجل ، وإن كان لك قسم من الدنيا فلا بد من وصوله إليك ، تأتيك أقسامك وأنت عزيز مكرم مسؤول ، لا تأكل بنفسك وهواك ، فإن ذلك حجاب يحجب قلبك عن ربك عزّ وجلّ . المؤمن لا يأكل لنفسه وبنفسه ، ولا يلبس لها ، ولا يتمتع ، بل يتقوّت ليتقوّى على طاعة اللّه عزّ وجلّ ، يأكل ما يثبت أقدام ظاهره بين يديه ، يأكل بالشرع لا بالهوى ، والولىّ يأكل بأمر اللّه عزّ وجلّ ، والبدل الذي هو وزير القطب يأكل بفعل اللّه عزّ وجلّ ، والقطب أكله وتصرّفه كأكل النبىّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم وتصرّفه ، كيف لا يكون كذلك وهو غلامه ونائبه وخليفته في أمته ؟
هو خليفة الرسول خليفة اللّه عزّ وجلّ ، هذا خليفة باطن وإمام المسلمين المتقدّم عليهم خليفة ظاهر ، وهو الذي لا يحلّ لأحد من المسلمين ترك متابعته وطاعته .
وقد قيل : إن إمام المسلمين إذا كان عادلا هو قطب الزمان ، لا تحسبوا أن الأمر هين ، قد وكل بكم من يحصى أفعالكم الظاهرة وهو يحصى أفعالكم الباطنة ، ما منكم إلا من يؤتي به يوم القيامة ومعه ملائكته الذين كانوا موكلين به في الدنيا ، يكتبون عليه حسناته وسيئاته ، ومعهم تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مدّ البصر ، فيها حسناته وسيئاته وجميع ما صدر منه ، فيكلف قراءتها جميعا فيقرؤها ، وإن كان في الدنيا لم يحسن يكتب ولم يقرأ ، لأن الدنيا دار حكمة والآخرة دار قدرة .
الدنيا تحتاج إلى أسباب وآلات ، والآخرة لا تحتاج إلى ذلك ، إذا جحد أحدكم ما في سجلاته نطقت جوارحه بما فيها ، تنطق كل جارحة على حدة بجميع ما عملته في الدنيا ، قد خلقتم لأمر عظيم وما عندكم خبر ، قال اللّه عزّ وجلّ :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ
« 1 »
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون آية : 115 .