وأسراركم على باب المولى ، إلى حين تنقلب النفس قلبا وتذوق مما ذاق ، وينقلب القلب سرّا ويذوق مما ذاق ، وينقلب السرّ فناء فيه لا يذوق ولا يذاق ، ثم يحييه له لا لغيره ، فحينئذ يصير كيماء ، كل درهم منه يقع في ألف مثقال من الشبه يجعلها ذهبا .
فهذا هو الغاية الكلية الأصلية الباقية . طوبى لمن عرف ما أقول وآمن به ، طوبى لمن عمل به وأخلص فيه ، طوبى لمن أخذ العمل بيده فقربه إلى المعمول به ،
( يا غلام ) إذا متّ تراني وتعرفني ، تراني عن يمينك وشمالك أحمل وأدفع عنك وأسأل فيك . إلى متى أنت مشرك بالخلق متكل عليهم ؟ يجب عليك أن تعلم أن أحدا منهم لا ينفعك ولا يضرك ، فقيرهم وغنيهم ، عزيزهم وذليلهم .
عليك باللّه عزّ وجلّ ، لا تتكل على الخلق ولا على كسبك وحولك وقوّتك ، اتكل على فضل اللّه عزّ وجلّ ، اتكل على الذي أقدرك على الكسب ورزقك إياه ، فإذا فعلت ذلك سيّرك معه ، وأراك عجائب قدرته وسابقته ، يوصل قلبك اليه ثم يذكره بعد الوصول إليه أيامه السالفة كما يتذاكر أهل الجنة في الجنة أيام الدنيا .
إذا خرقت شبكة السبب وصلت إلى المسبب ، إذا خرقت العادة خرقت لك العادة ، من خدم يخدم ، من أطاع يطاع ، من أكرم يكرم ، من تقرب قرب ، من تواضع رفع ، من تكرم تكرم عليه ، من أحسن الأدب قرب ، حسن الأدب يقرّبك وسوء الأدب يبعدك ، حسن الأدب طاعة اللّه وسوء الأدب معصيته .
( يا قوم ) لا تؤخروا العرض لأنفسكم والمحاسبة لها ، عجلوا بذلك على أنفسكم في الدنياى قبل الآخرة . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال :
( إنّ اللّه عزّ وجلّ يستحي أن يحاسب المتورعين من عباده في الدنيا )
عليك بالورع وإلا فالخذلان في ربقك ، تورّع في تصرفك في الدنيا وإلا انقلبت شهواتك حسرات في الدنيا والآخرة ، الدنيا دار النار ، والدرهم دار الهمّ ، لا سيما إذا أخذتهما من وجه حرام وصرفتهما في وجه حرام ، غدا يبين لك هذا الذي أقول اليوم ، أنت أعمى وأصم : قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
( حبك الشيء يعمي ويصم ) .
عرّ قلبك من الدنيا وأجعله وأظمئه حتى يكسوه الحق عزّ وجلّ ويطعمه
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 196
مساهمون: عبد القادر الجيلاني
ص١٩٦