تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أما سمعتم قوله عزّ وجلّ في بعض كتبه ( من شغله ذكري عن مسئلتي أعطيته أفضل ما أعطي السائين ) يا من اشتغل بذكره وانكسر قلبه لأجله ، أما ترضى من عطائه أن يكون جليسا لك ، قال اللّه عزّ وجلّ في بعض كلامه : ( أنا جليس من ذكرني ) وقال ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ) ( يا غلام ) تذكرك له يقرب قلبك منه وتدخل إلى بيت قربه وتصير ضيفا له ، الضيف يكرم ولا سيما ضيف الملك ، إلى متى تشتغل عن هذا الملك بالملك والملك عن قريب تفارق ملكك وملكك ، عن قريب تحصل في الآخرة وتري كأن الدنيا لم تكنو الآخرة لم تزل ، لا تهربوا مني لفقر يدي ، فإن عندي غني عنكم وعن أهل المشرق والمغرب . إنما أريدكم لكم ، في حبالكم أفتل . لا تبتدع وتحدث في دين اللّه عزّ وجلّ شيئا لم يكن ، اتبع الشاهدين العادلين الكتاب والسنة ، فإنهما يوصلانك إلى ربك عزّ وجلّ . وأما إن كنت مبتدعا فشاهداك عقلك وهواك ، فلا جرم يوصلانك إلى النار ويلحقانك بفرعون وهامان وجنودهما . لا تحتجّ بالقدر فلا يقبا منك ، لابد لك من الدخول إلى دار العلم والتعلم ثم العمل ثم الإخلاص ، بك لا يجئ شيء ولا بد منك ، اجعل سعيك في طلب العلم والعمل ولا تجعله في طلب الدنيا ، عن قريب ينقطع سعيك ، فاجعل سعيك فيما ينفعك . قام إليه رجل وتواجد وقال : ما كان مقدمة هذه العروس حتى كان لها البخت ؟ فقال : لمحبة من الشاب قبل الزفاف . ( يا غلام ) تعرّض وتوصل إلى رضا الحق عزّ وجلّ ، فإنه إذا رضى عنك أحبك ، نحّ غم الرزق عن قلبك وقد جاءك الرزق من اللّه عزّ وجلّ من غير تعب منك ولا عناء ، نحّ الهموم عن قلبك واجعلها واحدا ، وهو الحق عزّ وجلّ . فإذا فعلت ذلك كفاك الهموم كلها . همك ما أهمك ، إن كان همك الدنيا فأنت معها ، وإن كان همك الآخرة فأنت معها ، وإن كان همك الخلق فأنت معهم ، وإن كان همك الحق عزّ وجلّ فأنت معه دنيا وآخرة .
الفتح الرباني والفيض الرحماني — صفحة 193 | عبد القادر الجيلاني